29 مارس 2017 مـ / موافق 1 رجب, 1438 هـ


خدعة الأديان

من يقرأ عنوان هذا المقال سيعتقد تلقائيا انني ضد الأديان والإيمان وضد أهل الملل والنحل ، ولكن الحقيقه مغايرة لذلك تماما ، فأنا أذوب عشقا فى دين الاسلام الحنيف المتسامح الراقي الانساني بكل تعاليمه وتفاصيله ، واذوب شوقا لنبي هذا الدين محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم نبي الرحمة والسلام ، فأنا مسلما سنيا أشعريا شافعيا ، موالياً لآل بيت النبي عليهم السلام ، واعتقد بأنهم هم فقط سفينة النجاة لهذه الأمه .. وكيف لا يكون ذلك ؟! وقد قال عليه الصلاة والسلام فيما راوه الترمذي واحمد ومسلم في الصحاح وبطرق كثيرة ( يا أيها الناس ، إني قد تركت فيكم ما إن أخذتم به لن تضلوا ، كتاب الله ، وعترتي أهلبيتي ) .

اما ما اقصده بعنوان هذا المقال ، فهو موجة لما يقوم به أتباع جميع الانبياء عليهم السلام بعد وفاتهم ، طبعا بما في ذلك المسلمين انفسهم .. فكل حزب بما لديهم فرحون ، وكل حزب يدعي ان دينه فقط هو دين النجاة ،اما غيره من الاديان فهو هالك لا محالة ، ولكن هيهات فالحقيقة غير ذلك .. والمتأمل بهؤلاء الأتباع سيجد انهم ينقسمون الى ثلاث اقسام ، اما القسم الأول  فيفعل ذلك عن حسن نية ، حيث انه يفعل ذلك من باب الغيرة على دين الله بحسب ظنه الفاسد وتقديره الجاهل . واما القسم الثاني فيفعل ذلك عن سوء نية ، حتى يجمع حوله اكبر قدر ممكن من الأتباع ، فيحصل على اكبر قدر من الامتيازات والاموال والمؤيدين من خلال الكهنوت الذي سيفرضه على الناس بطريقة او باخرى . واما القسم الثالث  فهم العلماء المقلدون الذين خضعوا لسطوة التقليد وأكذوبة قداسة الماضي ، وهذه الفئة الاخيرة هي اكثر هذه الفئات الثلاث .

وقبل البدء بطرح فكرة المقال ، انصح كل من يقرأه ألا يستعجل في الرد حتى يقرأ المقال كاملا ، وأكثر من مرة ، لأن بعضه يكمل بعضاً . واما من يقرأه مجزءا او ناقصا او بدون تركيز شديد فلن يفلح في فهم شيء ،لأن هذا المقال سيكون صادما لكل انسان تقليدي ، تعود على مدرسة التلقين وليس على مدرسة التفكير . حيث أننا سنثبت ان شاءالله بأن النبي صلى الله عليه وسلم ومن خلال القرآن الكريم والسنة النبوية لم يقل ابدا بأن دين الاسلام هو دين النجاة الوحيد ، بل على العكس من ذلك سنجد ان النبي عليه الصلاة والسلام اعتبر كل الاديان التي سبقته ادياناً تتحقق بها النجاة عند الله عزوجل ، واما الاختلاف بين الأديان ما هو إلا اختلاف في الدرجات والمراتب والمنازل عند المولى سبحانه وتعالى .. وسوف نوضح هذه النظرية على شكل عدة أسئلة على النحو التالي :

السؤال الأول / هل اليهودية والنصرانية على سبيل المثال لا الحصر ، ووفقا للمنظور الاسلامي الصحيح  تعتبر أدياناً يمكن أن يحصل أتباعها على النجاة عند الله تعالى ، حتى بعد بعثه النبي محمد عليه الصلاة والسلام  ؟

الجواب ( نعم ) .. والدليل على ذلك من القرآن الكريم قوله عزوجل ( إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) ، فهذه الاية الكريمة وضعت ثلاث شروط سيتوفر بها (الحد الادنى) الذي به ستحصل النجاة لكل اتباع الديانات الإلهية ” اي الديانات التي تؤمن بوجود إله خالق لهذا الكون” .  وهذه الشروط الثلاث هي : الشرط الأول (الايمان بوجود الله تعالى) ، الشرط الثاني (الايمان باليوم الاخر) ، الشرط الثالث (العمل الصالح).

اما الدليل من السيرة النبوية على ان الاديان الاخرى مقبوله عند الله عزوجل ، وتتحقق بها النجاة حتى بعد بعثه النبي محمد عليه الصلاه و السلام ، سنجده عندما استقبل النبي وفد المسيحيين في مسجده بالمدينه المنورة ، ثم حين حان موعد الصلاة بحسب توقيت الديانة المسيحية ، طلب منهم النبي ان يؤدوا صلاتهم داخل مسجده . وهنا لابد ان يفكر كل مسلم جيدا ، فلو كانت ديانتهم باطلة عند الله عزوجل ، لما سمح النبي عليه السلام لدين باطل ان يقيم شعائره التعبدية في مسجده الطاهر النقي .. وايضا لما سمح لأتباعه من المسلمين بالصلاة في الكنائس والصوامع اليهودية والنصرانية ، فهذا السماح من النبي عليه السلام للمسلمين بالصلاة في الكنائس والصوامع لهو أقرار بان هذه بيوت لله عزوجل .

والدليل من السنة النبوية قوله صلى الله عليه وسلم ( إن الله نظر إلى أهل الأرض قبل بعثتي فمقتهم جميعا ، إلا بقايا من أهل الكتاب ) ، ففي هذا الحديث الشريف أخبر الرسول ان المولى عزوجل نظر إالى أهل الأرض قبل ان يبعثه مباشره ، فمقتهم جميعا الا بقايا من اهل الكتاب . ومعنى هذا الحديث إن بعض اليهود والنصارى الذين كانوا موجودين قبل بعثه النبي عليه السلام مباشره ، قد نالوا رضاء الله سبحانه وتعالى ، وعلينا أن نركز على التالي “إن الله عزوجل كان راضيا عن بعض اليهود رغم انهم لم يكونوا مؤمنين برسالة عيسى عليه السلام  والتي جاءت ونسخت رسالة موسى عليه السلام” ، وهذا هوالشاهد في الحديث النبوي الشريف السابق  .

السؤال الثاني / هل سيقبل الله عزوجل ايمان كل مسيحي وكل يهودي بقي على دينه ، حتى بعد بعثه النبي محمد عليه الصلاة والسلام ؟

  الجواب ( لا ) .. لأن كل انسان على وجه الارض بما فيهم المسلم نفسه ، مطالب بالبحث عن الحقيقة ، لذلك فلن يقبل الله عزوجل إلا إيمان المسيحي واليهودي الذي بذل جهدا صادقا في البحث عن الحقيقة ، ولكنه لم يصل من خلال بحثه إلا إلى هذه النسبة من الحقائق ، حيث لم تنفذ الحجج والبراكين الاسلامية الى قلبه ، ولم يطمئن بها لسبب او لآخر ، وقد يكون السبب مثلا هو تقصير من نفس المسلمين حين أساؤا عرض دين نبيهم عليه الصلاة والسلام على الناس .

ولكن هنا يجب ان ننتبه .. فمثلا اليهودي والمسيحي الذي بحث عن الحقيقة ، ثم عرف البراهين ونفذ الحق الى قلبه ، ثم كابر واصر على استكباره ، فأن فمصيره غضب الله وسخطه  والدليل قول الله تعالى ( فلماجاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين وجحدوا بها  واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا  فأنظر كيف كان عاقبه المفسدين ) ، والشاهد في الاية الكريمة هو (استقنتها انفسهم) ، إي علموا علم اليقين أن رسالة محمد عليه السلام رسالة حق ، ورغم ذلك جحدوا بها علواً واستكباراً، وهذا هو موطن غضب الله عزوجل

وسوف يبقى ضمير كل انسان  هو الرقيب عليه في مسألة بذل الجهد الحقيقي والصادق للوصول الى اكمل واصح الاديان حيث قال تعالى (بل الإنسان على نفسه بصيرة، ولو القى معاذيره) ، اما بعد ذلك فإن الله تعالى هو العالم بما تخفي الصدور ، وهو الحكم العدل ..

ولكن على المسلم ان يعلم كما قلنا سابقا  انه هو إيضا مطالب بالبحث عن الحقيقة بصدق واخلاص ، حتى يصل الى مرحلة الاسلام والايمان بالقلب ، وليس فقط بالتقليد والوراثه .

السؤال الثالث / من يتحمل أثم التحريف في الاديان ؟ هل العلماء الذين حرفوا الدين أم الأتباع الذين لا يعلمون شيء عن هذا التحريف؟

 الجواب .. أن الذي يتحمل الذنب هم العلماء الذين حرفوا الدين  وليس الأتباع الذين لا يعلمون عن هذا التحريف اي شيء  .. والدليل على هذا قول ذلك الرجل من أهل فرعون لقومه عن رسالة موسى عليه السلام  ( وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه : أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ، وقد جاءكم بالبينات من ربكم ، وإن يك كاذبا فعليه كذبه ، وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم ، إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب ) ،والشاهد في هذه الاية الكريمة قوله ( ان يك كاذبا فعليه كذبه ) ، اي أن الله تعالى سوف يحاسبه هو اذا كان كاذبا ، ولن يحاسبكم انتم اذا لم تكونوا تعلمون بكذبه ، بعد ان بذلتم جهدكم الصادق في البحث بما أتى به من بينات .

السؤال الرابع / اذا كانت كل الديانات مقبولة عند الله سبحانه وتعالى ويتحقق بها النجاة ، فهل جميعها ستكون في درجة واحدة ؟؟

 الجواب بكل تأكيد ( لا ) .. فصحيح أن الحد الادنى لشروط النجاة ستكون ثلاثة كما ذكرنا سابقا ، وهي (الإيمان بالله و الإيمان باليوم الاخر والعمل الصالح)  ، ولكن بعد النجاة سيكون هناك اختلاف في الدرجات والمنازل عند الله عزوجل ، حيث  أنه ليس من العدل ان يكون من آمن بدين كامل نقي  كدين الاسلام ، كمثل من آمن بدين ناقص ، وليس من آمن بكل الانبياء وأحترمهم  كمن آمن ببعض الأنبياء فقط .

فالدرجات والمنازل والقربى عند الله عزوجل ستختلف على قدر ما سوف يبذله كل إنسان من جهد في الوصول إلى الدين الأصح والدين الأكمل والدين الأنقى خلال حياته في دار الدنيا التي هي دار الأمتحان .. فالبعض سينجو من النار فقط ولا يدخل الجنة وسوف يبقى في منطقه الأعراف التي بين الجنة والنار ، والبعض سيدخل اقل درجات من الجنه ، والبعض سيستحق الدرجات الوسطى من الجنة ، والبعض سيستحق الدرجات العليا منها ، والبعض سيفوز بالفردوس الأعلى من الجنة  … الخ ، فالأمر ليس سواء .

السؤال الخامس / إذا كانت كل الديانات يتحقق بها الحد الأدنى من شروط النجاة  وهي مقبولة عند الله عزوجل بدرجات مختلفة  فهل معنى هذا ان نقول للمسلم : يجوز لك ان تترك دينك وتتبع اي دين آخر ، لأن جميع الأديان ستصل بك الى الله عزوجل ؟؟

الجواب ( لا ) .. فليس من عاش الحقيقه كمن لم يعشها ، وليس من عرف البراهين كمن لم يعرفها ، لذلك فمن عرف واستيقن ثم نكص على اعقابه فقد خسر خسراناً مبيناً ، والدليل قوله تعالى ( ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير ) ، وايضا قوله تعالى ( إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم وأولئك هم الضالون ) .

السؤال السادس / هل يمكن ان ينجو من النار إنسان صاحب عقيدة شابها بعض الفساد ؟؟

الجواب (نعم) .. أنظر  ما رواه البخاري وغيره بطرق عديدة حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم ( كان رجل يسرف على نفسه ، فلما حضره الموت قال لبنيه : إذا مت أحرقوني ثم أطحنوني ثم ذروني في الريح ..فوالله لئن قدر علي ربي ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا .. فلما مات فعل به أبنائه ذلك ، فأمر الله الأرض فقال: اجمعي ما فيك منه ، ففعلت الارض ، فإذا هو قائم امام الله عزوجل .. فقال له الله تعالى : ما حملك على ماصنعت ، قال : يا رب من خشيتك .. قال النبي : فغفر الله له ‏)

إن المتمعن في هذا الحديث سيكتشف فوراً أن هذا الرجل كان عنده فساد في العقيدة ، لأنه شك في قدرة الله تعالى على جمع الأموات وإحيائهم وبعثهم ، ورغم ذلك فقد غفر الله سبحانه و تعالى له برحمته الواسعة .

وايضا ما رواه الأمام احمد في مسنده  أنه صلى الله عليه وسلم قال ( يقول الله عز وجل يوم القيامة : أنا ارحم الراحمين ، ادخلوا جنتي من كان لا يشرك بي شيئاً .. قال النبي : فيدخلون الجنة .. قال النبي : ثم يقول الله عز وجل : انظروا في النار ، هل تلقون من أحد عمل خيراً قط ؟ ، قال النبي : فيجدون في النار رجلاً ، فيقول له الله عزوجل : هل عملت خيراً قط ؟ فيقول : لا ، غير أني كنت أسامح الناس في البيع والشراء ، فيقول الله عز وجل : اسمحوا لعبدي كسماحه لعبيدي .. قال النبي : ثم يخرجون من النار رجلاً، فيقول له الله عزوجل : هل عملت خيراً قط ؟ ، فيقول : لا ، غير أني قد أمرت ولدي إذا مت فأحرقوني بالنار، ثم أطحنوني حتى إذا كنت مثل الكحل فاذهبوا بي إلي البحر، فأذروني في الريح ، فوالله لا يقدر علي رب العالمين أبداً ، فقال الله عز وجل : لم فعلت ذلك ؟ ، قال : من مخافتك ، فقال له الله عز وجل : انظر إلي ملك أعظم ملوك الدنيا ، فإن لك مثله وعشرة أمثاله ) . دعونا نتمعن في هذا الحديث ايضا  سنجد إن الله تعالى قد أمر اولاً وفي البداية أن يدخل الجنة كل من لا يشرك به شيئاً ، أي أهل العقيدة الخالصة الصافية .. ولكن بعد أن دخل الموحدون إلى الجنة ، سنلاحظ أنه جاء دور أهل العقائد التي شابها بعض الفساد مع وجود العمل الصالح في سجلاتهم ، فغفر الله لهم برحمته وفضله كما هو واضح من الحديث القدسي الشريف .

السؤال السابع / هل يمكن ان ينجو من النار انسان صاحب عقيدة ناقصة وليست كاملة ؟؟

الجواب ( نعم ) .. أنظر الى قول إبراهيم عليه السلام في القرآن الكريم حين قال ( ربي أرني كيف تحيي الموتى ، قال اولم تؤمن ، قال بلى ولكن ليطمئن قلبي ) . سنلاحظ ان إبراهيم عليه السلام نال شرف النبوة والرسالة  قبل ان يكتمل إيمانه .

السؤال الثامن / إذا كانت جميع الديانات الإلهية ستصل بالأنسان إلى الله عزوجل ، وسيتحقق بها الحد الأدنى من شروط النجاة التي ذكرناها سابقا ، وإذا كانت الديانات بعد ذلك هي عبارة عن تفاوت في الدرجات والمنزلة عند الله عزوجل ، فهل معنى هذا الا يقوم المسلم بالدعوة إلى دين الأسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم ؟؟

الجواب (لا) .. بل يجب عليه الدعوة الى دين الأسلام الذي هو الدين الكامل والنقي من الشوائب ، وإلا فسوف يحاسبه الله عزوجل على هذا التقصير ، لأن واجب المسلم في هذه الحياة  أن يأخذ بيد أخيه المؤمن من الديانات الاخرى إلى أعلى درجة من درجات الإيمان ، وأن يبلغه رسالة الدين الكامل ، حيث قال تعالى لنبيه الكريم ( وادعوا الى سبيل ربك ) .

السؤال التاسع / اذا كانت جميع الديانات الإلهية ستصل بالأنسان الى الله عزوجل ، وسيتحقق بها الحد الأدنى من شروط النجاه التي ذكرناها سابقا ، وإذا كانت الديانات بعد ذلك هي عبارة عن تفاوت في الدرجات والمنزلة عند الله عزوجل ، فهل من العدل أن يخلق الله تعالى شخص في بيئة دين محمد علية الصلاة والسلام “والتي اعتقد انا كاتب هذا المقال انه أعظم الديانات واكملها وانقاها” ، بينما يخلق الله عزوجل شخص غيره في بيئة دين آخر اقل منه منزلة واقل درجة من دين محمد ؟

الجواب (نعم فهو العدل كله) .. فالكثير منا مع كل أسف لا يعلم عن شيء اسمه عالم (الذر) الذي هو عالم الاستحقاق الاول ، وهو عالم التشخص الاول ،  حيث أننا في ذلك العالم وقبل ان نأتي الى عالم الحياة الدنيا ، قد اختار كل شخص منا ديانته ومذهبه وعقيدته وصفاته الأخلاقية .

اذن ما هو (عالم الذر) ؟؟ تعالوا نبحر في هذا الموضوع قليلا .. ان الحياة الدنيا تسمى دار الشاهدة ودار الإمتحان ، اما قبل عالم الحياة الدنيا فقد كانت كل الخلائق تعيش في (عالم الملكوت) ، حيث تعبد الله تعالى بالفطرة ، وبلذة لا يستطع احد وصفها ، وبدون أي تعب او نصب ، انظر الى قول الله تعالى (فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون ) ، وانظر الى قوله تعالى ( وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم ) .. فكل الاشياء في ذلك العالم تتمتع بفهم وادراك ووعي ، وقد كان الإنسان احد تلك الاشياء ، انظر الى قوله تعالى ( إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان ) ، فهذه الآية الكريمه تدل على ان كل فرد منا  قد وافق  بإرادته الحرة وبدون إكراه ، على دخول الأمتحان وحمل الامانه  قبل ان يأتي الى هذه الحياة الدنيا .. وكذلك تدل  هذه الآية على ان كل الاشياء في ذلك العالم تتمتع بإدراك ووعي ، حيث لا يعقل أن يعرض الله تعالى حمل الامانه على السموات والارض والجبال وهي اشياء غير واعيه وغير مدركة.

اما بعد ان وافق الانسان على حمل الامانه ، فقد نقله الله تعالى من (عالم الملكوت) الى (عالم الذر) ، انظر الى قوله تعالى (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوابلى شهدنا) .

وبعد (عالم الذر) ، ادخل الله سبحانه وتعالى الانسان في (عالم الميثاق)  ، وفي هذا العالم اعطى الله سبحانه وتعالى كل نفس وبشكل متساوي وعادل ، عقلا وادراكا وحرية وعزيمة كاملة  ، ثم دعى الناس للميثاق ،  فلبى كل انسان بقدر عزيمته وحرصه على رضاء الله تعالى  .. وبحجم تلبية كل انسان تم الأستحاق الأول وتم التشخص الأول ،  وتم ترتيب منازل الناس في الحياة الدنيا . والدليل على ذلك انظر الى الحديث الشريف حين سألت قريش النبي عليه الصلاة والسلام  وقالت له : بأي شئ سبقت الانبياء وأنت بعثت آخرهم وخاتمهم ؟ فقال  إني كنت أول من آمن بربي وأول من أجاب ، حيث أخذ الله ميثاق النبيين وأشهدهم على أنفسهم وسألهم ألست بربكم ؟ ، فكنت أنا أول نبي ( قال بلى ) ، فسبقتهم بالأقرار بالله عزوجل .

كذلك انظر الى قوله صلى الله عليه وسلم ( إن العبد لتسبق له المنزلة عند الله ، فلا يبلغها بعمله ، فيسلّط الله عليه الهمّ والحزن ، فيبلغها بذلك ) ، فمتى بلغ العبد تلك المنزلة ؟ .. لقد بلغها في عالم الذر بكل تأكيد .

اما بعد مرحلة عالم الذر ، فقد خلق الله سبحانه وتعالى (عالم الأجساد) ، ثم بث بها الأرواح  ، ثم انطلق عالم الأمتحان في الحياة الدنيا .. طبعا سيخطر في عقل  كل واحد منا هذا السؤال ( إذا كان كل انسان منا قد أخذ درجته ومنزلته وتشكلت شخصيته واخلاقه في عالم الذر ، واصبحت نتائج الامتحان معروفة ، اذن فلماذا خلق الله تعالى الحياة الدنيا التي هي دار الامتحان ؟؟ ) .

الجواب .. اولا : لقد أراد الله سبحانه وتعالى أن يجعل كل انسان شاهد على نفسه . بحيث لا يستطيع اي أنسان أن يحتج يوم القيامه بانه لم يفعل ذلك الخطأ او لم يرتكب ذلك الذنب ، انظر قوله تعالى ( يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون) . ثانيا : رحمة من الله سبحانه وتعالى بالانسان ، حيث جعل هذه الحياة الدنيا عبارة عن فرصة اخرى له ، لكي يغير بها منزلته ودرجته التي اكتسبه افي عالم الذر ، اذا كانت درجة متدنية . ثالثا : جعلها الله سبحانه اختبار لثبات الانسان  الذي اكتسب منزله عالية في عالم الذر ” فمثلا قد يولد الشخص مسلما ثم يكفر بعد ذلك والعياذ بالله” ، انظر الى قوله عزوجل (  يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ) .

السؤال العاشر / هل يوجد دليل مادي أو علمي في القرن الحادى والعشرين يدعم هذه النظرية ؟ 

الجواب (نعم) .. فما عليك إلا ان تبحث عن كتب “العائدون من الموت” ، وستجد منها مراجع بالعشرات بل المئات ،وهي كتب علمية  100% ، تتحدث عن تجارب حدثت مع اشخاص ماتوا فعلا من الناحية الطبية ، ثم عادوا الى الحياة ، وهؤلاء الاشخاص كانوا من كل الديانات ومن كل الملل والنحل .  والعجيب ان ما ذكروه من احداث في تلك التجربة كانت متشابهة بل احيانا متطابقة .

والغريب ان كل من مر بهذه التجربة قال : انه كان في عالم مليئ بالأمن والأمان  والسلام والأطمئنان  والرحمة والحنان .. والمدهش ان كل من مر بهذه التجربة كان يقول : لقد كنت اريد البقاء في ذلك العالم ولا أريدالعودة الى عالم الحياة الدنيا ، إلا أن هناك قوة خفية كانت تقول لي ” لم يأتي وقتك بعد ” ، ثم تدفعني تلك القوة للعودة الى الحياة الدنيا .

السؤال الحادي عشر /  هل يعقل أن العلماء السابقين عبر مئات السنين لم يلتفتوا لهذا ؟؟

 الجواب (نعم) .. فالأمة الاسلامية بعد انتهاء عصر الخلافة الراشدة التي لم يتجاوز الخمسين عاما من وفاة النبي عليه الصلاة والسلام ، أى بعد  خامس الخلفاء الراشدين الحسن ابن علي عليه السلام ، دخلت في ظلام دامس ، واصبحت السلطه عبارة ملكً عضوضاً وحكماً جبرياً وليس خلافة راشدة .

فأصبح الهم الوحيد لذلك الحاكم أو الملك الظالم ، هو زيادة مساحة مملكته وزيادة عدد شعبه ، ليحصل على أكبر قدر من الجنود والخدم والحشم ، في ولاء وسمع وطاعة .. ولن يتحقق هذا الولاء التام إلا بأن يكون أكثر الشعب على دين الملك ، حتى يسوسه ويتحكم به من خلال النصوص التي سوف يخترعها او يوؤلها له علماء السلطان في البلاط  تأويلا باطلاً طبعاً .. كما ان من مصلحة أى ملك ان يستخدم نظرية ( فرق تسد ) وأن يجعل الشعب متفرقا في ادياناً ومذاهباً يكفر بعضها بعضاً ، فيكون وجوده في الحكم هو صمام الأمان في نظر الرعية والشعب ، فيلتف الكل حوله .

وكل من يقرأ التاريخ سيعلم أن كثير من الفقهاء  بل حتى كثير من الصحابة  كان يخشى ان ينطق بكلمة الحق التي سمعها من النبي عليه الصلاة والسلام ، خوفا على نفسه من القتل ،  كما فعل ذلك الصحابي ابوهريرة على سبيل المثال .. ثم جاء بعد هؤلاء الصحابة والتابعين الذين خافوا على حياتهم ورضخوا للملوك الظالمين ، أجيال من العلماء الذين غرقوا في عصور التقليد الأعمى .. ولكن عليك ان تنتبه بأن ما قلناه في هذه الفقرة ينطبق على كل الأديان  حيث لعبت بها وحرفتها أيادي الأتباع وأصحاب المصالح الدنيوية  بعد وفاة انبيائهم .

السؤال الثاني عشر / هل يمكن ان يأتي علماء آخر هذه الأمه  بشيء قد غاب عن علماء أولها ؟؟

الجواب (نعم) إنشاءالله .. وما عليك إلا أن تسمع احاديث النبي عليه الصلاة والسلام في فضل آخر هذه الأمه لتصاب بالذهول . فقد قال أبوعبيدة بن الجراح ( يا رسول الله هل أحد خير منا ؟؟ أسلمنا معك وجاهدنا معك .. قال النبي : نعم ، قوم من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني )  ، وفي رواية أخرى ( فقلنا يا رسول الله ، هل من قوم أعظم منا أجرا ؟؟ آمنا بك واتبعناك … قال النبي : ما يمنعكم من ذلك ورسول الله بين أظهركم ، ويأتيكم الوحي من السماء .. بلى ، قوم يأتيهم كتاب بين لوحين فيؤمنون به، ويعملون بما فيه ، أولئك أعظم منكم أجرا ، أولئك أعظم منكم أجرا ، أولئك أعظم منكم أجرا ) .

وانظر الى قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للصحابه ( أتدرون أي أهل الإيمان أفضل إيمانا ؟ .. قالوا : الملائكة يا رسول الله ،  قال : هم كذلك ، ويحق لهم ذلك ، وما يمنعهم من ذلك وقد أنزلهم الله المنزلة التي أنزلهم بها ، لا .. بل غيرهم .. قالوا : يا رسول الله فالأنبياء الذين أكرمهم الله تعالى بالنبوة والرسالة ، قال : هم كذلك ، ويحق لهم ذلك ، وما يمنعهم وقد أنزلهم الله المنزلة التي أنزلهم بها ، لا .. بل غيرهم .. قالوا : فمنهم يا رسول الله ؟ ، قال :أقوام يأتون من بعدي في أصلاب الرجال فيؤمنون بي ولم يروني ، ويجدون الورق المعلق فيعملون بما فيه ، فهؤلاء أفضل أهل الإيمان إيمانا ) .

كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للصحابة ( إن من ورائكم أيام الصبر، الصبر فيهن كقبض على الجمر، للعامل فيها أجر خمسين .. قالوا : يا رسول الله  ، أجر خمسين منهم أو خمسين منا ؟ قال خمسين منكم ) . وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ( ليدركن المسيح أقواما ، إنهم لمثلكم أو خير ، إنهم لمثلكم أو خير ، إنهم لمثلكم أو خير  ) . وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم  ( مثل أمتي مثل المطر ، لا يُدر بأوله خير أم أخره )

أعتقد أن تلك الاسئلة السابقة مع أجوبتها ، تشكل النظرية الصحيحة لحقيقة الاديان  ، وحقيقة شروط النجاة عند الله سبحانه وتعالى ، من وجهة نظر المفهوم الاسلامي الصحيح ، قبل ان يتم تحريفها من علماءالسلاطين .. اما ما تبقى من المقال فسنخصصه للرد على الادلة التي قد يطرحها المعترضون على هذه النظرية ، وستكون على النحو التالي :

دليلهم الاول / قوله تعالى ( ومن يبتغي غير الاسلام دينا فلن يقبل منه ) ، سنقول لهم انتم فهمتم تفسير الأية الكريمة بشكل خاطئ ، انتم فهمتم ان المراد بها هو دين الاسلام الذي جاء به النبي محمد عليه الصلاة والسلام . بينما الحقيقة هي ان جميع الاديان السابقة اسمها (الاسلام) ، فأنظروا الى تفسير ابن كثير في تفسير الاية السابقة ، حيث يقول ( ان الله تعالى انكر في هذه الاية الكريمة على من أراد ديناً سوى دين اللّه ،أي الدين الذي أنزله في كتبه وأرسل به رسله ، وهو عبادة اللّه وحده لا شريك له ، الذي له أسلم من في السموات والأرض ، أي استسلم له من فيهما طوعاً وكرهاً ) انتهى قول ابن كثير .. وأنظر أخي القارئ الى ابناء يعقوب عليه السلام الذين كانوا قبل بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم بآلاف السنين ، في قوله تعالى  ( أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائكإبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون ) ، واضح من الايه الكريمة ان ابناء يعقوب كانوا مسلمين وديانتهم هي ديانة الاسلام . وانظر الى قول نوح عليه السلام ( فإن توليتم فما سألتكم من أجرإن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين ) ، فنبي الله نوح كان مسلما ايضا . ولك ان تعلم ان كل الانبياء السابقين جاؤا برسالة واحدة هي رسالة (الاسلام) حيث قال تعالى ( وان من امه الا خلا فيها نذير )، والاسلام معناه (الاستسلام لله عزوجل والايمان به كخالق لكل شيء) .

دليلهم الثاني / قوله تعالى ( ان الله لا يغفر ان يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) ، سنقول ولماذا نسيتم قوله تعالى ( ورحمتي وسعت كل شيء ) ، يجب ان نلاحظ كلمة (كل شيء) في الأية الكريمة  حيث انها تشمل كل شيئ بدون استثناء .. كما سنقول لهم من الواضح ان الأية الكريمة التي تقول (ان الله لا يغفر ان يشرك به شيئا) تتحدث عن حكم الله في دار الامتحان وهي دار الحياة الدنيا ، حيث يجب على الانسان فيها ان يستمر في البحث عن الحقيقة الكاملة وهي التوحيد الخالص ، الى اخر لحظة من حياته .. اما أية الرحمة التي تقول ( ورحمتي وسعت كل شيء ) فهي تتحدث عن الدار الآخرة دار الثواب والعقاب .

وان السنة النبوية ستسعفنا في اثبات هذا الأمر ، فنظر الى ما ورد في صحيح البخاري عن النبي عليه الصلاة والسلام قال ( يدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ، ثم يقول الله تعالى ‏ ‏أخرجوا من النار من كانفي قلبه ‏ ‏مثقال ‏ ‏حبة من ‏ ‏خردل ‏ ‏من إيمان ) ، ويجب ان نلاحظ عبارة مثقال حبة من (ايمان) ، فالحديث يقول مثقال حبة من (ايمان) وليس من (توحيد) . والفرق كبير في المعنى ، فقد يكون الانسان مؤمن بوجود الله عزوجل ولكنه مشرك في نفس الوقت ، كما كان حال المشركون من قريش حيث قالوا ( ما نعبدهم ليقربونا الى الله زلفى ) ، ومن المعلوم ان جميع الديانات على وجه الارض تؤمن بوجود الله عزوجل وأنه هو الخالق البارئ لهذا الكون ، وانه منزه عن النقائص .. لذلك فحديث (حبة خردل من ايمان) تشمل كل الديانات الإلهية اي التي تؤمن بالخالق سبحانه وتعالى .

دليلهم الثالث / قوله صلى الله عليه وسلم ( والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة ، يهوديا ولا نصرانيا ، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار ) .. سنقول ، عليكم ان تعودواالى كتب التفسير لتروا بأنفسكم كيف سبب هذا الحديث اشكالية لكل علماء التفسير ، حتى اكثرهم تشددا . فكلهم قالوا كيف يدخل الله تعالى انساناً في النار فقط لأنه سمع برسالة النبي محمد ، ولم تتبين له الحجج والحقائق والدلائل ؟؟؟ ، لذلك ستجد ان جميع المفسرين قالوا لا يمكن ان يكون المعنى المقصود هو المعنى الظاهري للحديث ، ولكن لابد ان تكون كلمة (سمع) بمعنى تبينت له الحقائق من خلال العرض السليم للدين ، والا فهو معذور بالجهل . وعلى هذا فان كلمة (سمع) التي وردت في الحديث الشريف تعني ( سمع قلبه بالحقائق والبراهين واستيقنها ، ثم استكبر وأصر على كفره ) .

دليلهم الرابع / قول الله عزوجل ( كفر الذين قالوا ان الله هو المسيح ابن مريم ) ، سنقول لهم ان كلمة الكفر لا تعني الكفر بالله والالحاد به ، وما عليك الا ان تنظر الى قول المفسرين في حديث الرسول عليه السلام عندما قال للصحابة ( لا تعودوا بعدي “كفارا” يضرب بعضكم رقاب بعض ) ، قال المفسرون هذا لا يعني ان الصحابة الذين تقاتلوا في الفتنة التي حدثت بين المسلمين اصبحوا كفارا والعياذ بالله ، انما يعني ان الايمان نقص .

وانظر كذلك لقول الرسول عليه السلام ( لا ايمان لمن لا امانه له ) ، فلم يقل احد من المفسرين ان من يخون الامانه يصبح غير مؤمن ، بل قالوا ينقص ايمانه .. وهذا التفسير ينطبق على كل كلمة( كفر) وردت في القرآن الكريم ، اي نقص في الايمان وليس الحاداً .

دليلهم الخامس / قوله تعالى ( وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا ، أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين ، أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا منقبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون ، وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون ) ، وهم بهذا الدليل يريدوا ان ينقضوا ردنا على السؤال الثالث الذي ذكرناه في الاعلى ، ولابد للقارئ الكريم ان يعود الى هذا السؤال في الاعلى ثم يتابع القرآءة هنا .. سنقول نعم هذه الاية الكريمة توضح ان الله عزوجل لن يقبل عذرهم في عدم بذل الجهد الكافي للوصول للحقيقة الكاملة الخالصة الصافية ، لان الامانة التي حملها الانسان يوم عرضها الله سبحانه وتعالى على المخلوقات ، كانت عبارة عن التزام الانسان بأن يبذل كل جهده في التفكير والبحث حتى يصل الى الدين الكامل والنقي من الشوائب من خلال العقل والايمان بالغيب . وان عذرهم هذا لن يشفع لهم عند الله تعالى في عدم تقليل درجاتهم في الجنة ، لان كلمة هلاك لا تعني بالضرورة العذاب في النار ، بل ان السقوط من عين الله عزوجل درجة واحدة فقط ، او عدة درجات ، تعتبر هي الهلاك الحقيقي .

دليلهم السادس / قوله صلى الله عليه وسلم ، لسفانه بنت حاتم الطائي عندما كانت تعد صفات ابيها ( ‏يا جارية هذه صفة المؤمنين حقا، لو كان أبوك مسلم لترحمنا عليه) .. سنقول ان هذا الحديث أخرجه الترمذي الحكيم في نوادر الأصول بإسناد ضعيف‏ .  وكيف لا يكون هذا الحديث ضعيفا ، وكل مسلم يعرف ان اهل الفترة قبل بعثة النبي عليه الصلاة والسلام لا يمكن الحكم عليهم بالكفر ، بل يسمون ( اهل الفترة ) ، ولهم احكاما خاصة بهم .

دليلهم السابع / قوله صلى الله عليه وسلم  ( ما من مولود إلا يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه ) ، وهم بهذا الدليل يريدوا ان ينقضوا ردنا في السؤال التاسع الذي ذكرناه في الاعلى ، والذي تحدثنا فيه عن (عالم الذر) الذي به اختار الانسان دينه ومذهبه ،  ولابد للقارئ الكريم ان يعود الى هذا السؤال في الاعلى ثم يتابع القرآءة هنا .. نقول ، معنى الحديث لا يتعارض مع ما ذكرناه سابقا (عن عالم الذر) ، حيث ان الانسان الذي اختار دين معين في عالم الذر ، سوف يبعثه الله عزوجل لابوين من ذلك الدين ، فلو اختار الانسان اليهودية مثلا فسوف يبعثه الله في ابوين يهوديين ليهودانه .. واما الفطرة المذكورة في الحديث الشريف ، فهي فطرة الدين الكامل الصافي الخالي من الشوائب ، حتى تكون تلك الفطرة معينا للمولود في رحلة بحثه عن الحقيقة ، في عالم الامتحان ، الذي هو عالم الحياة الدنيا .

اذاً فمن الواضح لكل من يقرأ النصوص بانصاف وتدبر ، سيجد ان أصحاب الديانات الإلهية التي تؤمن بالله واليوم الاخر والعمل الصالح ، كلها على خير ، وأهلها ناجون ان شاءالله ، ولكنهم يختلفون في الدرجاتعند الله سبحانه وتعالى ، فبعضهم سينال الدرجات العليا وبعضهم الوسطى وبعضهم في ما دون ذلك من الدرجات .

ان الدين الذي بعثه الله عزوجل للبشرية عبر الانبياء منذ ادم الى محمد عليهم الصلاة والسلام ، كان عبارة عن توازن بين المنظومة العقلية والمنظومة الاخلاقية . فالمنظومة العقلية هي المنظومة التي يستدل بهاالانسان الى الماورائيات ، اي الى عالم الغيب وهو وجود الخالق سبحانه وتعالى  . اما المنظومة الاخلاقية فهي المنظومة التي تضمن العيش الآمن على وجة الارض بين بني البشر ، كي يتفرغ الانسان للتفكير والبحث والتدبر في آيات وأديان الله سبحانه وتعالى .

ولكن بعد ان حرف اتباع الانبياء تلك الديانات ، من اجل مصالحهم الشخصية ، فقد تحول الدين الى منظومة (لا عقلية) و (لا اخلاقية) . حيث اصبح المطلوب من الاتباع الايمان الاعمى من خلال التقليد ، والادهى والاخطر انهم اصبحوا يقولون لاتباعهم : “ما عليكم الا ان تؤمنوا بديانتنا ديانة التوحيد ، مع اداء بعض الشعائر التعبدية مثل الصلاة والصيام وغيرها ، ثم افعلوا ما تشاؤن من الذنوب والمعاصي ، فسيغفر الله لك مكل ذلك .

ولا اعلم كيف يغفل الناس عن قول النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة (  أتدرون من المفلس ؟ .. قالوا : المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع .. قال صلى الله عليه وسلم : إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة . ويأتي وقد شتم هذا , وقذف هذا , وأكل مال هذا , وسفك دم هذا , وضرب هذا . فيعطي هذا من حسناته ، وهذا من حسناته ، فإن فنيت حسناته من قبل أن يقضي ما عليه ، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ، ثم يطرح في النار )

 حقا انه لمن المؤسف ان تكون جميع الاديان على وجة الأرض قد خدعت اتباعها بهذه الخدعة التي سالت بها الكراهية في كل وادٍ من الأرض ، ونبتت اشجار الحقد في بساتين البشرية .. ولكن مما اثلج صدري انبابا الفاتكان يوحنا بولس الثاني اصدر في عام 1981 التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية ، وناقش فيه قضية خلاص غير المسيحيين . وقد اعتبر البابا في الوثيقة التي هي عبارة عن دستوراً رسولياً ، أن خطة الله للخلاص تشمل المسلمين أيضًا الذين يعبدون معنا الله الواحد .

اخيرا .. فأنا أؤمن بفضل من الله سبحانه وتعالى , أن ديني الأسلام هو اعظم هذه الديانات واكملها وأنقاها وأسرع الطرق الى الله عزوجل واسرع الطرق الى النجاة  والدرجات العلا في الجنة ان شاءالله تعالى ، ولكن هذا لا يبرر لي ان اهضم حق الديانات الاخرى واتباعها ، او ان احكم عليهم بالكفر والهلاك .

لذلك فهذه دعوة صادقة لتنقية الاديان مما اضيف لها من كذب وزور وبهتام من اجل مصالح فئات معينة ، انها دعوة صادقة  للبحث المخلص العميق في كل الاديان حتى نصل الى مرحلة نبذ الكراهية والعنفوالتكفير والقتل على الهوية ، انها دعوة صادقة للعقلاء والمخلصين من اتباع الديانات الالهية التي تؤمن بوجود الاله عزوجل ، وتؤمن بيوم الميعاد ، وتؤمن بالعمل الصالح كطريق للنجاة  عند المولى سبحانه وتعالى .

حول الكاتب