22 أغسطس 2018 مـ / موافق 11 ذو الحجة, 1439 هـ


عبدالرزاق عبدالواحد .. شاعر في بلاط العراق

(أنحاء) – بروفايل – إبراهيم الهلالي : ــ

في هدوء رحل شاعر العراق الكبير عبدالرزاق عبدالواحد في باريس بعيدا عن موطنه – العراق- الذي عشقه إلى الثمالة وكرس جل قصائده للتغني به وكانت أمنيته الأخيرة أن  يموت فيه ويوارى ثراه.

عبدالرزاق عبدالواحد دخل التاريخ من أوسع أبوابه بوصفه شاعراً متمكنا  وأديباً نابغاً ، ألا أنه على الجانب الآخر كاد أن يدخل التاريخ أيضاً كأشهر منافق – كما يقول الدكتور عبدالله الغذامي- لولا أنه أثبت عكس ذلك بوفائه لرفيق دربه الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين.

جمعت عبدالرزاق عبدالواحد صداقة قوية بـصدام دكتاتور العراق الذي حكم بالحديد والنار أكثر من 20 عاما ، وكان عبدالرزاق يكتب في صدام ولصدام ، حتى صنف بشاعر بلاط ،  ولطالما استعان صدام بقصائد عبدالرزاق في كلماته وخطبه الحماسية ، وكانت قصائده أيام الحرب العراقية الإيرانية تلهب حماس الجنود حتى لقب بشاعر “القادسية” وشاعر “أم المعارك” نسبةً لأسماء معارك انتصر فيها العراقيون آنذاك ، وظل عبدالرزاق عبدالواحد وفياً لصديقه صدام حتى بعد أن أطيح به وسيق إلى حبل المشنقة ، وقتها أنشد :

لست أرثيك لا يجوز الرثاءُ

كيف يرثى الجلال والكبرياءُ

لست أرثيك يا كبير المعالي

هكذا وقفة المعالي تشاءُ

وإذا كان البعض يرى في عبدالرزاق عبدالواحد المولود عام 1930م  شاعراً عظيما أفسدته السياسة ، فإن ماقاله شعراً في بلده العراق يشفع له أن يكون واحداً من أبرز رموز الشعر في ذلك البلد على غرار الرصافي والسياب وغيرهما ، بل إنه في نظر البعض أبرع شعراء العراق على الإطلاق.

ورغم حبه الشديد لبغداد وتعلقه بها ؛ مات عبدالرزاق مغترباً بعيداً عن بلده ، رغم أن حلم العودة ظل يراوده كل حين :

عدْ بى لبغداد أبكيها وتبكيني
دَمعٌ لبغداد.. دَمعٌ بالمَلايين ِ

عُدْ بى إلى الكرخ.. أهلى كلهُم ذ ُبحُوا 
فيها.. سأزحَفُ مَقطوع َالشرايين ِ

حتى أمُرَّ على الجسرَين.. أركضُ في
صَوبِ الرَّصافةِ ما بينَ الدَّرابين

ومن لطيف ما كتبه أيضاً :

لاتطرق الباب تدري أنهم رحلوا

خذ المفاتيح و افتح ، أيها الرجلُ

أدري ستذهب..تستقصي نوافذهم

كما دأبت، وتسعى حيثما دخلوا

وفي أعوامه الأخيرة تكالبت على عبدالرزاق عبدالواحد آلام المرض وويلات الغربة ، وعانى مرارة البعد عن الوطن ، فهاضت قريحته بشعر حزين تكسوه الحسرة والخيبة من الواقع المرير ، واستذكار الماضي العريق لبلد قسمته الحروب والنزاعات :

ياصبر أيوب ، لاثوب فنخلعه

إن ضاق عنا..ولادار فننتقلُ

لكنه وطن، أدنـى مكارمه

ياصبر أيوب، أنا فيه نكتملُ

وفوق عذابات المرض والغربة ، كان الوضع المتردي للعراق أمنياً وسياسيا واقتصاديا يزيد الأسى لدى شاعرنا الذي يرقب عن بعد حال محبوبه الجريح :

سلاماً أيها الوطن الجريحُ

وياذا المُستباحُ المستبيحُ

تعثر أهله بعضٌ ببعض

ذبيحٌ غاصَ في دمه ذبيحُ

في التاسع من نوفمبر الجاري توفي عبدالرزاق عبدالواحد وبوفاته طويت صفحة من صفحات الشعر العربي المضيئة ، كان فيها نجماً ساطعاً بشعره وأدبه ووفائه وصدق مشاعره ، وكانت وصيته أن يدفن في الأردن تمهيداً لنقله إلى العراق بعد تحريره !