24 مايو 2018 مـ / موافق 9 رمضان, 1439 هـ


دراسة : كيف تستخدم “داعش” تقنيات الإعلام الحديثة لنشر الإرهاب وكيف نافست أفلامها “هوليوود “؟

بقلم / مكسيم فاسيلييف *:

طوال العام الماضي، وحتى يومنا هذا، اهتمت وكالات الأنباء حول العالم بانتشار الإرهاب الدولي في منطقة الشرق الأوسط. وتحدث الصحافيون والخبراء والسياسيون على أعلى مستوى، بنشاط عن هذ المسألة. عدد من تسميات المنظمات الإرهابية، أصبح معروفا لدى رجل الشارع العادي وجزءا من حياته اليومية. فمن غير المرجح  في العالم الحديث، العثور على شخص لم يسمع عن منظمات مثل “الدولة الإسلامية في العراق والشام” وهي “داعش”. سرعة تطور هذه المنظمة ونطاق عملها، الذي لا تضاهيه أي دولة أخرى، وكذلك استخدامها للتقنيات الجديدة وآليات العمل الفكري والمعلوماتي، يسمح لنا بالتعامل مع ظاهرة جديدة كليا من الإرهاب، القادر على الانتقال إلى مستوى تطور جديد ونوعي.

تمكنت مجموعة إرهابية صغيرة وغير معروفة، ظهرت كفرع لـ”تنظيم القاعدة” في العراق في العام 2003، خلال عشر سنوات، ليس فقط من الإعلان عن فكرة إقامة خلافة عالمية، ولكن أيضا من الناحية العملية، إنشاء شبه دولة مع مميزاتها العامة (القوانين والأقاليم والهيكليات المالية والنقدية المنظمة). وتقدر المساحة الإجمالية للأراضي التي تسيطر عليها “داعش” اعتبارا من عام 2014 من 40إلى 90 ألف كم مربع. وعدد سكانها الذي يتكون أساسا من المسلمين السنة، يبلغ 8 ملايين شخص. مجموعة “داعش” تشارك في القتال في لبنان، وأفغانستان، الجزائر، باكستان، ليبيا، مصر، اليمن، نيجيريا، كما تقوم بأنشطة إرهابية في عدة بلدان أخرى. التحالف الدولي لمكافحة الإرهاب بقيادة الولايات المتحدة، غير قادر على تحديد فترة زمنية للقضاء عل تهديد “داعش”، ولم تقدم وزارة الدفاع الروسية مثل هذه التوقعات. ثقل “داعش” في الشرق الأوسط، تزيده حقيقة أن هذه المنظمة الفتية عدوانية للغاية وذات سلوك منحرف، مقارنة بالمنظمات الإرهابية الإسلامية الأخرى. لذلك، في بداية شهر فبراير/شباط 2014، أعلنت القيادة العليا لتنظيم “القاعدة”، رفضها دعم “الدولة الإسلامية في العراق والشام” وأكدت أنها ليست فرعا من أفرع “القاعدة”، التي قالت في بيان “نحن لا ندعم وليس لدينا أي اتصالات ولا يمكن أن نكون مسؤولين عن تصرفاتها”. كما اتضح وجود قتال بين  “داعش”، والفصيل الرسمي لتنظيم “القاعدة” في سوريا – “جبهة النصرة”. متشددو “داعش” في العام 2014، قاتلوا بنشاط ضد القوات الحكومية السورية والإيرانية، وضد الجماعات المسلحة للمعارضة السورية، وضد الميليشيات الشعبية الكردستانية. وفي العام 2015، تناقلت وسائل الإعلام أنباء عن إعلان المنظمتين الإرهابيتين “الدولة الإسلامية” و”طالبان” الجهاد ضد بعضها البعض. في الواقع، يمكن القول أن “داعش” تدير قتالا مع العشرات من المنظمات والقوى السياسية والعسكرية في الشرق الأوسط. ومن المهم أن نلاحظ أن القتال مستمر وبتنظيم ناجح، كما يتزايد باستمرار عدد أعضائها، ورغم وجود عدد كبير من الأعداء، فإنها تمكنت في السنوات الأخيرة من تعزيز منطقة نفوذها.

يوم 10 يونيو/جزيران 2014، استولى متشددو “داعش” على الموصل، وفي اليوم التالي انتقلوا إلى تكريت، وبعد بضعة أيام، أصبحوا على مقربة من بغداد. وفي 15 يونيو/حزيران، سيطر المسلحون على منطقة تل عفر. وتمكنوا يوم 3 أغسطس/آب، من السيطرة على حقول النفط الرئيسية في المنطقة. في نهاية يونيو 2014 بعد سلسلة من الانتصارات، أعلن الإرهابيون عن إنشاء “الخلافة”، كما قامت المجموعة، التي كانت تعرف سابقا باسم “الدولة الإسلامية في العراق والشام”، بإلغاء الرابط الجغرافي المشار إليها في اسمها. في 15 مايو/أيار 2015، سيطرت “الدولة الإسلامية” على مدينة الرمادي، وتمكن المسلحون من الاستيلاء على تدمر في 20 مايو/ايار. قاتل المسلحون من التنظيم ليست فقط على أراضي سوريا والعراق، ولكن أيضا في ليبيا وأفغانستان. والهدف النهائي للتنظيم، هو خلق ما يسمى “الخلافة الكبيرة”، والتي ينبغي أن تضم تلك البلدان، التي كانت سابقا، تتبع سلطة الفاتحين العرب، والإمبراطورية العثمانية، وكذلك المناطق المجاورة الأخرى.

بتتبع التنامي الديناميكي والجغرافي للمنظمة إرهابية، من الضروري الإجابة عن أسباب شعبيتها ونشاطها. نجاح السبب الأكثر أهمية يمكن أن يكون حصول المتمردين على سلاح الجيش العراقي، وانضمام العسكريين أنفسهم من أتباع صدام حسين لخدمة الإسلاميين. عامل مهم في تطور “الدولة الإسلامية” هو استقراراها المادي، والاكتفاء الذاتي المالي. عند الاستيلاء على الموصل وبنوكها، حصل الإرهابيون على 400 مليون دولار،وهو ما جعل “داعش” فجأة، التنظيم الارهابي الأغنى في العالم. كما يحصل المسلحون على تمويل قوي يأتي من الدول المعنية بحالة الفوضى على المدى الطويل في منطقة الشرق الأوسط. كما ان للتنظيم منهجية  في جمع الأموال من السكان، وخلق ما يشبه النظام الضريبي، بشكل يمكن للناس العاديين فهمه. وعلاوة على ذلك، العبء الضريبي للتنظيم، أقل في كثير من الأحيان من مثيله في ظل حكومة علمانية. وبالإضافة إلى الإيرادات الضريبية، تصب في الميزانية  الأساسية للنظيم، واردات أخرى، مصدرها أموال بيع النفط الخام في السوق السوداء (عبر الأردن وتركيا وكردستان العراق، التي لا تتدخل في العمليات العسكرية النشطة مع الأكراد العراقيين)، وتجارة الرقيق، وبيع الممتلكات الثقافية من المتاحف.

النهج الانتقائي في تفسير الإسلام

تمويل المنظمة بشكل صحيح، يسمح لها بدعوة خبراء أجانب للعمل بعقود في جيشها ومنشآتها المدنية. عامل مهم آخر في تطور الإرهاب في منطقة الشرق الأوسط، هو السياسة العدوانية للولايات المتحدة وأوروبا، عبر الاطاحة بالحكومات الشرعية في العديد من الدول الاسلامية والتحريض على الحروب الأهلية في أراضيها. احتلال العراق من قبل القوات الأمريكية، أدى إلى عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي في المنطقة وإلى أقصى تطرف ممكن لدى السكان المحليين، وهذا استفاد منه الأصوليون الإسلاميون في “الدولة الإسلامية”. مما لا شك فيه، أن الحركة دينية، وتتصرف على أساس نص القرآن والحديث. ومع ذلك، لدى منظريها تفسير انتقائي جدا لنصوص الكتاب المقدس، اذ يتم اختيار بعض من عناصره، والتي يمكن بسهولة من خلالها، العثور على استجابة نفسية لدى السكان المحليين. الدعاة الدينيين لـ”داعش”، عبر استخدامهم القرآن والاستناد للشرائع الرنانة، يؤدي للقبول الحرفي للممارسات الإسلامية المبكرة، للوصول لأغراض سياسية بحتة. هذا النهج الانتقائي في تفسير الإسلام، يؤدي إلى زيادة أعداد المؤيدين. ومع ذلك، هناك نقاط ضعف. على سبيل المثال، “الإخوان المسلمون” يقدمون تفسيرا معقولا للإسلام السياسي وبديلا إسلاميا أكثر استدامة وحداثة. من أجل الحصول على أكبر أثر ممكن على عقول العالم الإسلامي، بما في ذلك الشباب المسلم الأكثر أوروبية، برعت “الدولة الإسلامية” في استخدام التكنولوجيا، فهي تملك ترسانة كاملة من تكنولوجيا وسائل الإعلام والتواصل الإجتماعي.

براعة هذه المنظمة الإرهابية الوحشية في بث دعايتها

استخدام “داعش” للإنجازات التقنية في مجتمع المعلومات المعاصر، يختلف جذريا عن غيرها من المنظمات الإرهابية التي كانت موجودة سابقا. على سبيل المثال، في الأراضي التي تسيطر عليها حركة “طالبان”، يحظر استخدام أجهزة الكمبيوتر والإنترنت والهاتف، والتلفزيون والموسيقى والآلات الموسيقية. يحظر حتى إلتقاط الصور. فوفقا لقوانين طالبان، يحظر تصوير الكائنات الحية، وخاصة الناس، ممنوع التصوير بأي شكل من الأشكال، سواء كان هذا الأمر يتعلق بالنحت، أو تخطيطيا لافتة. وهذه القيود الرسمية غير موجودة في أيديولوجية “داعش” ، بل هي تستخدم جميع المعدات الفنية ووسائل الإعلام والتواصل بنشاط. استخدام العديد من التطورات التقنية للحضارة، يمنح هذه المنظمة الإرهابية الوحشية، ليس فقط القدرة على بث المشاهد الغريبة في العالم، ولكن يسمح لها أيضا ببث أفكارها للعالم. وهكذا، “الدولة الإسلامية” برعت في استخدام الفضاء المعلوماتي، بشكل أقوى بكثير وأكثر خطورة من سابقاتها الإرهابية.

عبر النشرات الأسبوعية الحديثة للإرهاب، أو حتى اليومية في فضاء الإنترنت من عمليات الإعدام الممنتجة براعة، وأعمال إطلاق النار والتفجيرات، وتدمير المعالم الثقافية والقتال والمقابلات مع أمراء الحرب والدعاة المتشددين والنشطاء، وصور غنائم، والصور مع القتلى. “الآلة الإعلامية الجهادية” أثبتت بجدارة وبحزم مكانها في الفضاء المعلوماتي على الصعيد الدولي، وجعلته واحدا من أهم مجالات النشاط الإرهابي.

ستوديوهات مهنية خاصة وتقنيات لاتقل شأنا عن هوليوود

الإمكانات المالية للتنظيم، تسمح له بتمويل مشاريع وسائل الإعلام المختلفة بنشاط، وتوزيعها في الشبكة، ما يؤدي في نهاية المطاف، ليس فقط لتدفق مقاتلين جدد، ولكن يساعد أيضا على تعزيز السلطة على الأرض. هذه المنظمة الإرهابية لديها ستوديوهات مهنية خاصة بها- “الفرقان” و”الحياة”، تم إنشاؤها أصلا لغرض، ليس فقط تكرار نجاح “الجزيرة”، ولكن لتجاوز ذلك. علينا أن ندرك أن ستوديوهات أفلام “داعش” حققت ثورة نوعية في الشبكة العربية والعالمية، نوعية الأفلام الدعائية ليست أقل شأنا من أفلام هوليوود. في هذه الأفلام، يتوفر كل ما يريد الجمهور رؤيته: صورة كاميرا عالية الجودة، حوار، حبكة متماسكة، وبطبيعة الحال، المحتوى المحظور، والذي يجذب الكثيرين. ينبغي أن يكون مفهوما أن عمليات الإعدام أمام الكاميرا، أمر يعمل في عدة اتجاهات. أولا، هو الترويج الذاتي القوي، وجذب انتباه العالم كله. أضمن طريقة للفت الانتباه- ارتكاب الأفعال الفاضحة والأكثر جذبا للإنتباه، ما يتسبب في عاصفة من العواطف. مشاهد إعدام الرهائن الدموية، هي شكل من أشكال إنجاز هذه المهمة، إذ تسببت هذه المقاطع بصدى شعبي واسع في جميع أنحاء العالم. إبداع اللقطات يكمن في اللعب بمهارة على عواطف المشاهد واثارة درجة التوتر. بعد مشهد الإعدام وقطع الرؤوس، تنشر “داعش” فيديو دعائي جديد يعرض حرق الطيار الأردني معاذ الكساسبة، والذي يبدو أشبه بفيلم رعب أمريكي ذي ميزانية عالية. الهدف الرئيسي من هذه الأفلام، ليس فقط إرهاب المشاهد، وغرس شعور القلق والخوف فيه، ولكن أيضا خلق جو متوتر من الخوف والانتظار المؤلم لشيء رهيب. علاوة على ذلك، المناظر الطبيعية الصحراوية، تغيرت فجأة إلى ساحل البحر والأمواج الدموية المتكسرة على الشاطئ. ما يعني برأى العديد من الخبراء، تحذيرا للحضارة الغربية. هذه رسالة واضحة مفادها أن الإرهاب سيأتي الى أوروبا على أمواج البحر الأبيض المتوسط، ولن تكونوا قادرين على منعه. يظهر كل فيديو، ما سيحدث لهؤلاء الذين يقفون ضد التنظيم، الثانية، تسجيلات الفيديو، هي رد على الإذلال الذي تعرضت له الحضارة الإسلامية برمتها. وفقا للخبراء، منذ سنوات عديدة، يراقب المسلمون إخوانهم في الجلباب البرتقالي، وصور تعذيبهم في السجون االأمريكية، الدول الإسلامية غير قادرة على أن تحمي مواطنيها في أقبية السجون الأمريكية. الآن “الدولة الإسلامية” تخلق صورة المنتقم والمدافع عن شرف العالم الإسلامي بأسره.

“طقوس” إعدام الرهائن والرسائل

4573467 (3)

بعد تصوير تسجيلات الفيديو ومنتجتها من قبل الإرهابيين، المنصة الإعلامية الرئيسية لنشرها وتوزيعها، هو موقع الفيديو الأكثر شعبية على شبكة الإنترنت “يوتيوب”. في قطاع الانترنت هذا، ينشر المتشددون مختلف وأوسع اتجاهات الفيديو. ويمكن تقسيمها إلى عدة أنواع: 1) العرض – تدليل على القوة والنجاحات العسكرية للتنظيم، وهذا الفيديو هو نوع من الدعاية وتأكيد الهوية؛ 2) إجراء مقابلات مع المقاتلين والقادة. 3) “طقوس” إعدام الرهائن والرسائل للقوى العالمية. 4) مشاهد “الحياة السلمية” في ظل “الخلافة”، وإجراء مقابلات مع السكان. ونتيجة لذلك، يمكن للمشاهد مراقبة نظام معقد نوعا ما، دعاية واسعة قادرة على خلق صورة مستقرة إلى حد ما في ذهن المتلقي.

في عام 2014، أصدرت وكالة “الفرقان” دعاية وثائقية تحمل اسم “رنين السيوف”، انتشرت بسرعة كبيرة في الشبكة، واكتسبت شعبية هائلة. فهي صورت العديد من مشاهد الهجمات العنيفة، وأعمال الإرهاب، وعمليات الإعدام التي نفذت من قبل أعضاء “داعش”. وفي الوقت ذاته، يعرض الفيلم الأعضاء العاديين وقادة المنظمة الإرهابية، الذين يعلنون الولاء “للخلافة”، وكذلك العمل الاجتماعي في “الدولة الإسلامية”. في هذا الأخير، على وجه الخصوص، تظهر اللقطات “مرتدين” من الجيش والشرطة العراقية، يسامحهم مسلحو “داعش” ويغفرون لهم بكل سخاء. هذا الفيلم ذو جودة نوعية عالية جدا، قارنتها وكالة CNN، بأفلام هوليوود. في سبتمبر/أيلول من العام نفسه، أطلق مركز “الحياة” فيديو دعائيا عن المستقبل، فيلم “لهيب الحرب”، والذي نفذ وفق جميع مواصفات أفلام الأكشن الهوليوودية. في يناير/كانون الثاني 2015، ظهر على الإنترنت شريط فيديو يعرض مقاتلين ناطقين بالفرنسية، قام فيه المسلحون بدعوة أتباع “الدولة الإسلامية” لتدمير الشرطة وجميع الأوروبيين في منازلهم، في أوروبا. في الفيديو، حذر أحد المسلحين الأوروبيين قائلا: “بعون الله، سنأتي إلى أوروبا. سنخترق فرنسا، ألمانيا، سويسرا والولايات المتحدة. إنني أناشد إخواني، غير القادرين على الهجرة والانضمام إلى الخلافة الإسلامية – المقاومة بكل الوسائل، اذبحوهم، واحرقوا سياراتهم ومنازلهم … “. تسجيلات الفيديو هذه تتواجد على الشبكة بكمية كافية. مرة أخرى، يمكننا أن نكون على يقين من أن الترويج الفعال لفكرة الإسلام المتطرف، يوجه ويحرض على الجهاد ليس فقط في المنطقة الإسلامية، ولكن في بلدان العالم الأخرى، حيث عدد اللاجئين المسلمين في زيادة مضطردة. أي نشاط إرهابي في أوروبا، سواء كان عبر تنفيذ أعمال الإرهاب أو الحرب المعلوماتية في الشبكة، يتم لزعزعة الاستقرار في الاتحاد الأوروبي، ومحاولة تدميره.

 تصوير الحياة بأنها طبيعية

4573467 (1)

في العام 2014، ناقش مستخدمو الإنترنت بنشاط مقطع فيديو ظهر على موقع “يوتيوب”، حاول إثبات أن “داعش”- هي دولة كاملة مع الأسواق والعملات والمدارس والمكتبات. وتم فورا حظر الفيديو، ولكن قبل ذلك، تمكن من الفوز بأكثر من 37 ألف مشاهدة. الوصول لهذه المعلومات متاح تماما وبسهولة، يمكن العثور على مقاطع للروس الذين انضموا إلأ “الدولة الإسلامية”. في مايو/أيار، صدم سكان داغستان بالأنباء عن قيام الداعية الشهير نادر أبو خالد (نادر ميدوتوف)، بإعلان الولاء “للدولة الإسلامية”. حدث هذا الأمر، بعد إلقاء القبض عليه بتهمة الحيازة غير المشروعة للأسلحة، وتواجده بعض الوقت تحت الإقامة الجبرية. في أحد تسجيلات الفيديو، يظهر نادر أبو خالد وهو يعانق اثنين من الجهاديين، ويظهر تعليق “أخونا ثمانية أشهر كان محدود الحرية”. ووفقا لـ ر.كوربانوف، أحد كبار الباحثين في معهد الدراسات الشرقية، شعبية هذه الشخصية الدينية عالية جدا، فهو واحد من الدعاة الأكثر إثارة وتأثيرا في أوساط الشباب المسلم الذي يتحدث الروسية. شعبيته تمتد إلى ما هو أبعد من داغستان، كما أن محاضراته متاحة على شبكة الإنترنت ومرئية ومسموعة. يرتبط اختيار الإرهابيين لموقع “يوتيوب” لعرض فيديوهاتهم، ليس فقط بحقيقة أن عددا كبيرا من مستخدمي الإنترنت في جميع أنحاء العالم يزورونه بانتظام، ولكن أيضا بحقيقة أن تسجيلات الفيديو المنشورة من قبل “داعش” على هذا الموقع، تستخدم على نطاق واسع من قبل كل وسائل الإعلام الإخبارية في مختلف البلدان. وبهذا، تصبح تسجيلات المسلحين، في ما يسمى بالسطر العلوي من التقييم، ويبدأ اللعب بشكل مستقل لجذب المزيد والمزيد من المشاهدين. في هذا السيناريو، لا يهم نصر أو هزيمة “داعش”، المهم، هو أنها تجذب انتباه المجتمع الدولي.

في عام 2013، أنشأت “داعش” وكالة إعلام “إعتصام”، التي تنتج وتوزع محتوى باللغة العربية، يتضمن الصور الترويجية، وأشرطة الفيديو والتسجيلات الصوتية. في مارس/آذار 2014، أصدرت هذه الوكالة تقريرا سنويا، يعرض أنشطة المنظمة خلال الفترة من نوفمبر/تشرين الثاني 2012 الى نوفمبر 2013.  ومع ذلك، فإن المركز الاعلامي الرئيسي والأقوى “للدولة الإسلامية” هو “الحياة”. وتركز هذه المنظمة في المقام الأول على الجمهور الغربي. وتوزع منتجاتها بعدة لغات، منها الإنجليزية والألمانية والفرنسية والروسية.

في العام 2014، حصلت “داعش” على مجموعة وسائط إعلامية أخرى – “الفرات”، والتي تتخصص في إنتاج المواد لروسيا وبنقل المعلومات عبر تويتر، والفيسبوك وتمبلر ومن خلال “الفرات”، أعلنت المنظمة إنشاء محافظة في شمال القوقاز. قناة الدعاية أيضا تبث بانتظام مجموعة مختارة من الفيديو عالي الجودة، يعرض نشاط “الإخوان المجاهدين في القوقاز”، كما أنها غالبا ما تعرض مقابلات مع المسلحين الناطقين بالروسية في العراق وسوريا. العشرات من تسجيلات الفيديو متوفرة على الإنترنت. في السابق، كانت التسجيلات السابقة باللغة الروسية تنتج بشكل غير منتظم، أو بشكل جزئي، وكانت تصدر متأخرة عن نسختها العربية، كما كانت الغالبية العظمى من الفيديو غير مزودة بترجمات، وفي كثير من الأحيان، يتم تسجيلها خارج الأراضي التي تسيطر عليها “داعش”. الآن، توفر “الفرات” الوصول إلى الفيديو مع ترجمة بالروسية، كما يصدر المسلحون تسجيلات DVD، مع رسائل تحفيزية ومواد ترويجية. كل هذا ينتج في سوريا والعراق ولغته الأصلية، هي الروسية.

معظم اللقطات تدعو المشاهدين للجهاد والإستشهاد. وعادة ما ينتهي التسجيل بمشهد انفجارات نفذها الأبطال المزعومون. وثمة فئة منفصلة من التسجيلات أكثر تنوعا، من مشاهد الإعدام حيث يتم قطع رؤوس الضحايا، وأحراقهم، وتفجيرهم، وقتلهم بالأسلحة وحتى بالصواريخ. وكل من يرغب، بإمكانه العثور في المجال العام على الكثير من التسجيلات الأخرى، من مصادر المعلومات إلى التقارير العسكرية، والرسوم البيانية. ومؤخرا، بدأت الدعاية الاسلامية أيضا في تطوير نوع جديد من مشاهد “الحياة العادية” المزعومة. عادة، تعرض صور أو فيديو للناس “العاديين” في “الدولة الإسلامية”، يشاركون في الأنشطة اليومية – الصيد، الطبخ، التسوق، وتناول العشاء في مقهى، وتدمير السجائر المهربة، وما إلى ذلك.

يحاول أعضاء “داعش” في بعض الأحيان، تحسين الصورة الرهيبة. على سبيل المثال، في أغسطس/آب 2014، كانت هناك صفحة على “تويتر” تحمل اسم  “القطط في الدولة الإسلامية”، وتعرض صور المتشددين مع القطط. أطلق المنظمون على الحيوانات، تسمية “مياو-مجاهدين”.

يتم التركيز الرئيسي في الترويج لأفكار “الدولة الإسلامية” على الشباب. أولا الشباب هم أكثر نشاطا في مساحات الإنترنت، وأكثر اعتمادا على ذلك، وثانيا، جمهور الشباب أكثر قابلية لتشرب الدعاية الاسلامية. ويتميز بالنظرة الخيالية والمفاهيم المطلقة “للخير” و”الشر”، وعدم الميل للحلول الوسط. عند تدقيق النظر في تسجيلات الفيديو هذه، تلفت الانتباه المشاهد العسكرية، التي تذكر بالفيديو-كليبات الحديثة – تغير الصور السريع، زوايا الكاميرا المختلفة، الصورة المشرقة- كل ما اعتاد عليه المتفرج الشباب. ما يشكل صورة الإرهاب في العقل البشري، باعتبارها قوة هائلة لا تقهر.

من ناحية أخرى، تخلق لقطات “من الحياة المدنية”، صورة الدولة الأخوية والعادلة. كل هذه التقنيات التي يستخدمها الإسلاميون تثبت كفاءتها العالية. مخيمات “داعش” تستقبل الشباب كل يوم، من جميع أنحاء العالم وليس فقط من ذوي الدين الإسلامي. تميز الإنسان، الطبيعة الراغبة بما هو ممنوع. في العالم الحديث، هذه الممنوعات هي العنف، وعمليات الإعدام الجماعية. كل هذا يأسر ويغري الإنسان على مستوى الغرائز، ما يجعله سهل التقبل للأفكار، ويعدم الموضوعية الفكرية لديه.

وفي معرض الحديث عن العوامل النفسية للعنف، تجدر الإشارة إلى أن تسجيلات الفيديو للإعدام التي ينفذها الإرهابيون، قد وجدت أرضا خصبة في أذهان الجمهور الغربي. الحقيقة أن المجتمع الحديث، تربى على أفلام هوليوود وجميع أنواع العروض، وفقد تقريبا كل ارتباط بالواقع. العنف والقسوة ينظر إليها على أنها ظاهرة طبيعية وسهلة. لقطة الكوارث الطبيعية والبشرية في مقاطع الأخبار، المشاهد الحديث ينظر إليها بلا مبالاة، كما لو أنها لقطات من أفلام أكشن أو أفلام رعب. الجمهور الغربي غالبا ما لا يرى الفرق بين أفلام هوليوود ومقاطع الفيديو، التي تمتد إلى ما هو أبعد من خيال الكاتب. هذا ما يتم استخدامه من قبل الإرهاب الحديث. مبتكرات المجتمع

—–

مكسيم فاسيلييف، اعدت لـ “مركز أبحاث كاتيخون” وهو منظمة مستقلة تتألف من شبكة عمل دولية من الأفراد (بتشكيلة واسعة من المجالات والتخصصات) المتخصصين في الجيوسياسة، والجيوستراتيجية والتحليل السياسي للأحداث العالمية. وتتألف المجموعة من مفكرين سياسيين، وباحثين في العلاقات الدولية وخبراء في مجال الأمن ومكافحة الإرهاب، وصحفيين معنيين بالشؤون الدولية، والجغرافيا السياسية والعرقية والحوار بين الأديان.