23 مايو 2018 مـ / موافق 8 رمضان, 1439 هـ


مع سلمان العودة.. في مشتل “ذهبان”

بمجرد جلوسنا على مقاعد الطاولة، والذهول والفرح مرتسمان على قسماته، فيما الخضرة الجميلة في مشتل سجن “ذهبان”، تضفي علينا بعض الصفاء والحميمية، بادرته مهاذرا: “أبا معاذ، والله إنّ الشيب الذي وَخًط فوديك ولحيتك وعلا رأسك؛ أعطاك شكلا جديدا، ’نيولوك’ جذاب “. أجابني الشيخ سلمان العودة مباشرة، بابتسامته العريضة، وبروحه التي يعرفها القريبون منه: “ليس ثمة صبغة هنا يا أبا أسامة”.

ست سنوات كاملات، هي المدة الزمنية بين زيارتي هذه وزيارتي الشاملة الأولى لسجن “ذهبان” الشهير، وتلك المقالة التي كتبتها في صحيفة “الوطن” من وحي الزيارة وكانت بعنوان: “جولة في أروقة سجن ذهبان”، والتي صدمت الكثيرين الذين لم يستوعبوا، بل لم يصدقوا ما كتبت وقتذاك، وظنوا أنني بالغت عندما قاسوا الوصف الذي كتبت لهذا السجن على سجون قديمة للمباحث. وانهالت الاتهامات من كافة الأطياف بالكذب والتملق، حتى إن أحد علماء الحديث الكبار تورّط في اتهامي قبل أن يتثبّت، وكان يقيس على سجن غير الذي كتبت عنه، فيما أصدقاء قريبون مني، كتبوا المقالات والهجائيات تلو أختها، وتمادى البعض طعنًا في ذمتي، وشتموني وأهلي ووالديّ. بل وصل الأمر لمقاطعتي من قبل أقرب الأصدقاء، وأنا لائذٌ بموقفي، ملتحفٌ الصمت تجاههم؛ لإيماني أن الحقيقة ستظهر ولو بعد حين. إذ كيف أكذّب نفسي التي رأت عيانا كل ما كتبت ووصفت. نهاية القصة أن القوم أتوني واحدا تلو الآخر، يرسلون لي أن أحلّهم مما هجوا به، بعدما رأوا حقيقة ما كتبت في الأقنية المحايدة والصحف العالمية، وما رواه لهم نزلاء السجون التي كتبت.

كان لا بدّ من ذكر هذا، فما زلت أتلقى لليوم اعتذارات ممن ولغ في عرضي وطعن في أمانتي، وأحيّ هنا رائد أحد الديوانيات الشهيرة بمدينة جدة،  وقد تكلم كثيرٌ من رواد تلك “الثلوثية” بالطعن واللمز والتهكم، ولم يذروا اتهامات إلا وفاهوا بها، بسبب شهادتي عن رقي السجن وخدماته الفريدة،  بيد أنهم ابتلعوا ألسنتهم منذ سنتين، عندما زار هذا الرائد الوجيه سجن “ذهبان”، وكتب في سجل الزيارات –بمروءة- كلمات وشهادة توازي ما كتبت، ليعود لهم يحكي ويشهد بما رآه.

كنت برفقة شيخين فاضلين من أعلام الدعوة والعلم في السعودية، نزور سجن “ذهبان” صباح أمس الثلاثاء، ونلتقي بعض الموقوفين ونسمع منهم، ونستفسر مباشرة عما يلقوه من معاملة داخل السجن، مبادرة منا لنقل ما نراه ونسمعه  للدولة والمسؤولين والمجتمع.

وللتأريخ والإنصاف، فمديرية المباحث العامة في سنواتها الأخيرة بذلت جهدا ملموسا في تبديد الصورة الذهنية التي كانت عن إخوتنا وأبنائنا من منسوبيها، من تلك التي صوّرتها الأفلام القديمة عن رجل المباحث، والخوف الذي ينتاب الإنسان منهم. قيادة المديرية استطاعت تبديد هاته الصورة، وكسر الحاجز بين المجتمع وبينها؛ عبر انفتاحها على وسائل الإعلام، وفتح السجون لكل الإعلاميين وصنّاع الرأي، بعد أن كانت في المراحل السابقة نوعا من الأسرار التي لا يقترب منها أحد. وكنت أقول للإخوة في إدارة سجن “ذهبان” بأن القفزة لمديرية المباحث كانت في اتجاهات شتى، ومنها هذه السجون، التي تطوّرت إلى ما يشبه الإصلاحية الحقيقية، ولا أقولها مجاملة، فالشيخان الجليلان اللذان كنت برفقتهما أقرّا بذلك، بل وذهلنا جميعا مما رأيناه من إنشاءات جديدة وبرامج في صميم تغيير السلوك والقناعات المتطرفة.

قمت بزيارة هذا السجن لمرات بعد زيارتي الأولى الصدمة، عندما كنت أتشفّع لبعض الإخوة الموقوفين في قضاياهم، بيد أنني كنت ألتقيهم في غرف الضيافات فقط، إلا أنني في هذه الزيارة؛ تجوّلت –والشيخان الفاضلان- في ردهاته وفناءاته وعنابره، وطالعنا بشكل كامل المشروع الرائع “إدارة الوقت” الذي تنظمه إدارة السجن لنزلائه، وسأكتب عنه ببعض التفصيل في مقالاتي القادمة.

أخذنا مدير السجن الخلوق ورفقته من الضباط الشبان في جولة واسعة، التقينا فيها ثلة من الموقوفين والمسجونين، وكلهم بلا استثناء، وأقول وأكرّر هنا بلا استثناء، قالوا عن المعاملة الراقية التي يلقونها في السجن، والبرامج المتنوعة التي تقدم لهم بشكل دوري، والرعاية الصحية العالية.

عندما أتينا الشيخ سلمان العودة، كان في وقت فسحته اليومية في “المشتل”، وهذا “المشتل” مشروع أقامته إدارة السجن، لإعطاء الموقوفين من محبي الزراعة فرصة أن يمارسوا هوايتهم، ولقي المشروع تجاوبا كبيرا من نزلاء السجن، ولامتداد وجمال المكان من حيث خضرته، وتلك الشتلات التي زرعها النزلاء لمجموعة خضروات وفواكه؛ بات مكانا لاسترواحهم، وكان من حظنا لقاء الشيخ سلمان في وقت استرواحه هناك.

طبعا فوجئ الشيخ بهؤلاء الداخلين عليه، وعندما تفرّس في الوجوه عرفنا، وسعُدَ بنا كثيرا، وتجاذبنا أحاديث ماتعة شتى معه، وقال له أحد الشيخين: “لقد أماتوك يا شيخ سلمان”. قوّس الشيخ حاجبيه مستغربا، فبادرته أنا بالقول: “بعض المواقع التي تديرها قطر عبر خلايا عزمي بشارة، وانضم لمجموعة الردح والتهريج معارضو لندن وغيرهم من أولئك الذين يقتاتون على الريال القطري والتومان الإيراني. لغط هؤلاء الحاقدين في قضيتك، وادّعوا زورا أنك تعرّضت للتعذيب، وأنك مريضٌ على شفا الموت في غرفة الإنعاش، والبعض بما قال صديقك الشيخ أنك متّ، وهراء طويل من مثل أنك لا تلقى أية عناية طبية. يريدون استغلال قضيتك للنيل من الدولة. بل حتى ابنك عبدالله –هداه الله- قام بالتغريد عن حالتك، وحضر مؤتمرات مشبوهة للمعارضة بزعم دعم قضيتك”.

انزعج الشيخ سلمان العودة، خصوصا مما سمعه عن ابنه عبدالله، وقال مباشرة لي :”لا أرضى أبدا أن يغرّد ابني عبدالله -ولا أحد من أبنائي- وأن يتكلم في هذا الموضوع أو يلغو فيه. هو أصلا لا يعرف شيئا حتى يكتب أو يغرّد، وأرجوك أخي عبدالعزيز أن تنقل له ذلك، وأن ينصرف لدراسته، ويترك هذا الشأن بالكامل مهما كان ما وصله، وهذه أمانة أحمّلك إياها”.

وأردف العودة قائلا: “أنا بأتم الصحة والعافية، كل ما في الموضوع أن عقاريَ الكوليسترول والضغط تأخرا عليّ في البداية، وتأثرت قليلا، وذهبت للفحوصات، هذا كل ما في الأمر. والحمد لله الآن؛ عضلة القلب ممتازة، وتحليل الدم ممتاز، وأدوية الكوليسترول والضغط متوافرة، وفي هذا السجن مستشفى جيد، أتابع فيه بشكل دوري، وأنا –طبيا- على أحسن حال”.

قلت للشيخ إنني سأكتب هذا الكلام في مقالتي، وأحمد الله أن معي صديقيك هذين، وهما من أهل العلم والفضل، وتثق بهما؛ يشهدان على ما قلته، فأضاف لي:” استغلال خصوم الوطن لمثل حالتي أمر متوقع، ولكني لا أقبل أبدا أن يبتزّ أحد -كائنا من كان- وطني بقضيتي، هذه مسألة بيني وبين الدولة. إن رأى ولي الأمر إيقافي –وغيري- لمصلحة الوطن، فلنوقف. ولكن لا أسمح لأي أحد أن يوظّف قضيتي للإساءة لوطني، حتى لو فرض أنه أخطأ أحد عليّ. قضيتنا داخلية، ولا نسمح أبدا أن يتدخل أحد -مهما كان- للطعن في الدولة”.

بكل هدوئه وسمته الذي يعرفه به محبوه، قال لنا الشيخ سلمان العودة بأن الوطن بأمسّ الحاجة للتكاتف في هذه الظروف، مضيفا: “لدينا تحديات خارجية تحتّم علينا التعاون والسمع، والأمير محمد بن سلمان هو رجل المستقبل، وسبق لي أن أرسلت –لأحد الأمراء- بضرورة الالتفاف حول ولي العهد، لأن هذا الأمير الشاب هو من يقودنا للمستقبل، والمتربصون والخصوم كثر، ولا مكان للفرقة اليوم أمام التحديات الخارجية، بل للالتفاف والدعم”.

الشيخ سلمان العودة قال ببعض ما يعتوره من هموم، وذكر  بعض المطالبات من مثل إتاحة الزيارة والاتصال والسجن الجماعي، وردّ علينا مدير السجن بأن كل ذلك رهن انتهاء التحقيق، وأن ذلك سيتحقق قريبا له، ولكل من كان في حالته.

سلمان العودة كان على هدوئه المعروف، وبسمته التي لم تفارقه مذ لقائنا معه، وبدَّدتُ له تلك البسمة عبر مفاجأتي له بالسؤال: “أسألك بالله يا أبا معاذ، هل تعرّضت للتعذيب هنا أو أخطأ أحدٌ عليك بألفاظ نابية أو إساءة؟”، ردّ مباشرة عليّ وقد قطّب وجهه، مستغربا السؤال: “لا، لم أتعرّض أبدا لما قلت.. بل أكثر من ذلك؛ لم أسمع – على حّد علمي – أنّ أحدا عذّب”، وأضاف: “الأخطاء ورادة ولا شك، مني ومن غيري، ولكني طيلة عهد الملك سلمان –الذي أثنيت عليه في مقالات- كنت أتجنب الخوض في السياسة، وكنت أؤكد على ابنتي غادة التي تتولى التغريد عني أحيانا: انتبهي من أي كلام في السياسة، لا تغردي فيه”.

مما دار في حديثنا الماتع مع سلمان العودة، أن أحد الشيخين تحدث عن خطر الأخطاء في وقت الأزمات، وأيّده الشيخ الآخر بقوله: “إن خطأ الطبيب في غرفة العمليات، ليس كخطئه في غرفة الكشف”. فصادق الشيخ سلمان العودة على قولهما، وأضاف: “وأيضا فالأخطاء في وقت الأزمات أحوج ما تكون إلى العفو والتدارك والاحتواء. إن الوطن في أوقات تكاثر الأعداء أحوج إلى التفاف أبنائه، وجمع كلمتهم، وهذا الذي لا نزال ننتظره من القيادة، وهو ليس غريبا أو جديدا عليها، فقد فعلتْه مرات عديدة، ومعي شخصيا”.

فتح أحد الشيخين موضوع التهم الموجهة له، وتكلم الشيخ سلمان فيها، وأبان عن وجهة نظره، سأتجاوز ذكرها، لأن الشيخ الجليل المرافق وعد الشيخ سلمان بنقل وجهة نظره للمسؤولين وولاة الأمر.

الأعجب في الموضوع، أن الشيخ سلمان العودة، قال للشيخين -اللذين شرفت برفقتهما- ومن كان معنا من قيادة السجن: “تستغربون.. اليوم والله خطر في بالي عبدالعزيز قاسم، وتذكرته، وإذا به أمامي الآن”، ضحكت طويلا وقلت للشيخين أدلّ عليهما: “أرأيتم كيف هي كراماتي أيها السلفيَّيَن؟!”، أهاذرهما،  وضحكنا جميعا.. حرصتُ على سرد كل هذا، لتعرفوا عبر كلماتي كيف هي نفسية الشيخ والحمد لله.

كلي يقين بولاة أمرنا ودولتنا، ولطالما كتبتُ ورددتُ بأننا هنا في السعودية؛ أشبه بالعائلة الكبيرة، ولربما يُخطئ الابن، ويعاقبه الأب؛ لا إيذاءً له أو تشفّياً، بل لتربيته، وإعادته للطريق الصائب. وهذا النهج عهدناه في ملوكنا، من الملك المؤسّس يرحمه الله، إلى مليك الحزم سلمان، وولي عهدنا محمد بن سلمان يحفظهما الله.. لا والله؛ لا أحنّ ولا أرحم ولا أعطف من ملوكٍ كملوكنا على شعبهم.

ما قاله سلمان العودة اليوم، نقدمه لأولئك المرتزقة الذين يكتبون للتأليب وإيقاع الفتنة، ونقدمه لبعض الذين تأثروا بتلكم الدعايات من تنظيم الحمدين البائس، ونقدمه لأعضاء المعارضة المفلسين، وللدويلة الصغيرة؛ أبدا لن تستطيعوا زرع الشقاق، فهذا الشعب كله مع قيادته من آل سعود، والسعودية قوية وثابته وماضية للمستقبل بهذا التماسك الفريد بين الشعب وقيادته.

في المقالة القادمة: لماذا خسر الشيخ عوض القرني 25 كيلو غرام من وزنه، مذ إيقافه؟!

حول الكاتب