17 يونيو 2018 مـ / موافق 4 شوال, 1439 هـ


عاصرتُ ملوكنا السبعة (3) .. الملك فيصل

[عاصرت سبعةً من ملوك المملكة العربية السعودية، الى تاريخه: عبدالعزيز؛ سعود؛ فيصل؛ خالد؛ فهد؛ عبدالله؛ و سلمان. و لكن، و إضافة لممعاصرتهم، فمنهم من كنتُ ايضاً قد قابلته، و صافحته و جلست في حضوره؛ بل و تعشّيت او تغدّيت في معيته. والفئة الأخيرة شملت الملك خالد و الملك فهد؛ و الملك سلمان.]                       

*      **     *

(3) جلالة الملك فيصل بن عبدالعزيز 1975-1964م

عاصرتُ جلالة الملك فيصل طيلة عهده من البداية حتى النهاية، لكن لم يحصل لي التعامل معه عن قرب.. او مقابلته  او حتى السلام عليه.

ومن ذلك لأني كنت في غالب زمن الفترة مقيماً في الجانب الآخر من الكرة الأرضية.. فقد كنت في بعثة دراسية في أمريكا: 1973-1963م. فكانت بداية البعثة و هو لا يزال ‘ولياً للعهد، رئيساً للوزراء و وزيراً للخارجية’. و كان انتهائي من بعثتي و عودتي من امريكا و ابتدائي رحلة تأسيس حياتي العملية بَدءاً بمدينة الرياض، في 1973م.

لكني كنت فعلاً/قبل هذا، قد رأيت الملك فيصل مباشرة ذات مرة و عن كثـَب. و كان ذلك في صيف 1965م، و اهلي مصيفين في وادي المِحرِم و مرتفعات الهدا. و كان ذلك حين كنت و معي الزميل ‘السيد محمد بن علوي مالكي’ (حصل فيما بعد على الدكتوراه في العلوم الدينية (من ليبيا)؛ و عقد حلقات للتدريس بالمسجد الحرام (أسوة بوالده استاذي المرحوم.علوي.عباس.مالكي)، إضافة الى قيامه بالتدريس لفترة بجامعة أم القرى.. قبل تنحيته منهما). و بينما كنا نتمشى في جانب من طريق الهدا/ الطائف.. فوجئنا بمرور موكب الملك. كان ذلك إبانَ تجوالنا على حافة الطريق و بينما كنا نشاهد عدداً من الأزهار و ايضاً من شجيرات البرشومي؛ فإذا بنا نسمع (وَنّانات/ابواق) موكب الملك فيصل، الذي علمنا فيما بعد انه جاء لحضور مناسبة عامة في صيوان اقيم في الهدا. فتوجهنا، محمد و أنا، حاثّي الخُطى و وصلنا الى موقع المخيام.. و كان قد بدأ التسليم على جلالته.

كانت لصيوان حفل الاستقبال فتحتان على جانبيه؛ فرأينا جلالة الملك في الوسط يصافح المسَـلِّمين. و كنا على الجانب الأيمن من الصيوان فشاهدنا الجانب الأيسر من مُحيّا الملك، و على رأسه العقال المقصٰب المُخمّس الذي اشتهر بلبسه هو و قبله و معه اخوه الملك سعود، و ذلك تأسّياً بوالديهما.. لكن لم يلبسه احد من الملوك فيما بعد فيصل.

لقد بدا لي ساعتها أن قوامَ الملك فيصل كان اطولَ مما تخيلت، و ظهر لي وجهـُه ابيضَ مما تصورت (ربما مع تأثير الإضاءة المباشرة في المخيام.. و مع ومضات فلاشات التصوير وقتها.)

وبعد هذه المناسبة في الهدا مضت عشرُ سنوات بين إتمام فترة دراستي في أمريكا و اتمام الدكتوراه في 1973م؛ و بعدها حين بدأت حياتي العملية بمدينة الرياض؛ ثم شملت سنتين حتى نهاية عهد الملك و حين اغتاله الأمير فيصل بن مساعد (ابن اخ الملك)، و كان ذلك في 12 من ربيع الأول، 1395هـ/ 25 من مارس، 1975م.

(وقع ذلك الحدث الجلل في المجلس العام بقصر الحكم، اثناء إستقبال الملك لوزير النفط الكويتي عبداللطيف الكاظمي، و بحضور الأستاذ احمد زكي يماني، وزير النفط السعودي.)

وقبلها لم يصادف ان كانت لي اي مناسبة لمشاهدة الملك فيصل عن قرب و لا عن بُعد.. رغم ان حديقة ‘الفوطة’ -القريبة من شارع الخزان بالرياض- كانت تفصل بين مسكني بعمائر الراجحي المطلة على ‘حديقة الفوطة’، و هي التي كانت تفصل بيننا و بين القصر الذي كان مخصصاً لاجتماعات مجلس الوزراء التي كانت تعقد بيوم الاثنين من كل اسبوع.

لكن، حدث أني شاركت بتمثيل المملكة العربية السعودية في ‘المؤتمر 18’/ الجمعية العمومية للمنظمة الأممية اليونسكو (إحدي منظمات الأمم المتحدة)؛ و كان ذلك في خريف/شتاء 1974م.

وكان وفد المملكة الى ذلك المؤتمر برئاسة د.احمد محمد علي بصفته وكيل وزارة المعارف(التعليم) للشؤون الثقافية (و هو الذي كان الرئيس الأول لجامعة الملك عبدالعزيز في جدة). كما و شمل وفدنا ذالك عدداً من مدراء التعليم في المملكة بمن فيهم أ.عبدالعزيز ربيع (المدينة المنورة) و أ.سالم عطاس (جازان)، و أ.غازي محمود عبدالجوّاد (إدارة البعثات و العلاقات الخارجية في الوزارة). و كان دوري في تلك البعثة المشاركة بشغل تمثيل المملكة في مقعدها باللجنة الثقافية التعليمية؛ و اذكر اني هفوت ذات مرة بعد أن طلبت الكلمة من رئيس الجلسة و علقت بشيئ من الضجر و الامتعاض على سيرورة النقاش حين شعرت بعدم الارتياح.. معبراً عن ‘الامساك الفكري و الاسهال اللفظي’.. (كنتُ حديثَ عهدِِ بعد التخرج بالدكتوراه من امريكا قبل حوالي السنة؛ و كنتُ ساعتها -أيضاً- متأثراً سلباً من كلمة ممثل اسرائيل في نفس اللجنة حين وصفَ اقوال احد المندوبين العرب باستعمال اسلوب ‘الكذبة الكبرى’ (قالها بالإنگليزية: the big.lie technique). و كانت هناك مشاركات اخرى ربما كانت عادية لكنها كانت محملة بالتكرار و الإملال.. فقلتُ ما قلت. و اذكر ان دعاني الأستاذ حمد عبدالله الخويطر (مندوب المملكة الدائم في منظمة اليونيسكو)، و قدّم لي قهوة.. ثم نوّه مباشرة لكن بلباقة و كأنه يراجعني عن مقولتي التي تفوّهت بها (!) في جلسة اللجنة الثقافية. و لمحتُ و أنا معه انه كان يتابع مداولات لجان المؤتمر المختلفة، وذلك من خلال جهاز ‘انتركوم’ كان على مكتبه. [الأستاذ حمد الخويطر هو اخو الدكتور عبدالعزيز؛ و الأخير تولى منصب وزير المعارف (التعليم)

في ربيع السنة التالية، 1975م.]

لقد كانت ‘مدة’ الانتداب لحضور اجتماعات اليونيسكو لـ14 ليلة.. مع ان المدة الواقعية كانت لحوالي النصف. و كان سبب ذلك لتغطية فجوة المقدار الإسمي للبدل اليومي (الانتداب) المخصص عن كل ليلة.. و ايضاً بسبب ارتفاع تكلفة الحياة المعيشية في باريس.

وأذكر أن من الخطوط العريضة لوقائع و نتائج تلك الجمعية العمومية لليونيسكو (و هي المنظمة المعنية بالأمور التربوية و الثقافية و العلمية؛ و هي المتفرعة من المنظمة الأم، الأمم المتحدة)، أن الوفود العربية نجحت في عزل/تنحية اسرائيل من ‘المجموعة الغربية’ في (المجلس التنفيذي) لمنظمة اليونيسكو. و كان نتيجة ذلك ان تم -عملياً- طرد اسرائيل من اليونسكو. فجنّ جنونُ امريكا.. و كان ذلك في عهد الرئيس الأمريكي جيرالد فورد.. الذي (اصبح) رئيساً حال استقالة/تنحية الرئيس نِكسون.. بعد فضيحة ووترگيت. و قررت امريكا الاحتجاج.. بانسحابها من تلك المنظمة.. مع قطع مبالغ اشتراكاتها فيها.

كانت سبعينات القرن الـ20 أياماً جد مثيرة؛ و كانت احداثها تالية لزخم أحداث مرموقة حدثت قبل عام، في 1973م. فكان الحدث التاريخي في الجمعية العمومية بمقر المنظمة في نيويورك؛ و ذلك حين صوتت الجمعية في حدث تأريخي حين أعلنت ان ‘الصهيونية’ حركة ‘عنصرية’!

كانت جلساتها في تلك السنة برئاسة أ.عبدالعزيز بوتفليقة، وزير خارجية الجزائر آنذاك). و كان قد واكب (و سبق) هذا و ذاك زخمُ الارتفاع الصاعق لأسعار النفط و تعالي نجم الأوبك، و بخاصة الأعضاء العرب فيها في تلك الحقبة! (و مع ذلك، فلا أزال الى يومنا هذا -و بعد مرور 44 عاماً- افكر كيف امكنهم فعل ذلك!!

(للمعلومية و للتاريخ، فلقد تم -بموفور الأسف- إلغاء قرار الجمعية العامة في نيويورك عن (‘عنصرية’ الصهيونية)؛ بل و تم سحب القرار برمته في التسعينات من القرن 20.. بعد أن تثبـّتَ لحوالي عقدين من الزمان.

وما كان لذلك الارتكاص و الانتكاس ليحدث إلا بسبب عدة انكسارات و تضعضعات للعرب في المحافل الدولية، و ذلك بعد غزو العراق للجارة الكويت ثم تحريرها بقيادة أمريكا؛ ثم بعد عقد مؤتمر مدريد في مطلع العقد التاسع من القرن، و هو المؤتمر الذي بدأ فيه التلاقي المباشر بين العرب ككتلة و اسرائيل؛ ثم مع توقيع اتفاق أوسلو في اواسط التسعينات و تم فيه (اعتراف) الفلسطينيين باسرائيل.. بقيادة كبير المفاوضين (ابو مازن!).. و في ايام (القائد) ‘ابو عمّار’!!

بعد عودة وفدنا من اليونيسكو كان لافتاً بالنسبة لي أنّ قرار إنتدابنا كان بتوقيع الملك فيصل ذاته؛ و لعل ذلك لكوننا وفداً في مهمة رسمية دولية بالخارج.. و ربما بسبب احتفاظ جلالته بمنصب وزير الخارجية). و كما كان توقيع جلالته على قرار الانتداب، فكذلك كان على كشف (مُسيَّر) (قائمة صرف) استحقاقات بدلات ذلك الانتداب.

وبقت متابعتي لجلالته بالطبع عبر الصحافة اليومية و نشرات الأخبار التلڤازية؛ بما شمل بالطبع مشاهدة تغطية المناسبة الأخيرة: مسيرة جنازة جلالته محمولة في عربة اسعاف الى مقبرة (العود) في الرياض.

ثم كانت تغطية مناسبة التأبين و تلقي التعازي من عدد من رؤساء و ممثلي الدول الشقيقة و الصديقة؛ و كان منهم رئيس الجمهورية العربية السورية، حافظ الأسد؛ و رئيس جمهورية مصر العربية، أنور السادات. و كان ذلك في أواخر مارس 1975م.

وبذكر التغطية التلڤازية -و الاعلام بعامة- عقب حادث الاغتيال، فأذكرُ انه قد تقرر ان تدوم فترة التأبين/العزاء و الحداد لأربعين يوماً. و لم يسبق أن أتـّبـِعَ مثل ذلك الترتيب الزمني لمن سبق الملك فيصل.. و لا لمن تلاه.

وظلت فترة بث التلفاز على قناتَي التلڤاز السعودي الأولى (بالعربية)، و القناة الثانية (بالأجنبية)، و ذلك من بداية فترة الارسال الى قرابة منتصف الليل (و انتهاء فترة البث التلڤازي بالسلام الوطني)، مقتصرة على تلاوات قرآنية متوالية (تخللتها فواصلٌٔ لبثّ وقائع تقديم البيعة للملك الجديد، جلالة الملك خالد بن عبدالعزيز؛ و لسمو الأمير فهد بن عبدالعزيز، ولياً للعهد؛ تلتها و صاحبتها عدة ريپورتاجات غطـّت استقبال و توديع وفود المعزيين و مختلف الزيارات؛ و بالطبع نشرات الاخبار.)

الحلقةالتالية (4) عن الملك خالد بن عبدالعزيز.

د. إبراهيم عباس نــَـتــّـو

عميد سابق بجامعة البترول

حول الكاتب