23 يونيو 2018 مـ / موافق 9 شوال, 1439 هـ


السفارة في العمارة: الدولة أولا

بوصول الأخ وليد البخاري مجددا إلى بيروت – خلال أيام – كقائم بالأعمال، يعني أن السفير وليد اليعقوب، الذي استبقي في الرياض بعد زيارة الموفد الملكي نزار العلولا إلى لبنان ثم زيارة الرئيس سعد الحريري إلى المملكة، أعفي أو في طريقه إلى الإعفاء كما أشارت صحيفة النهار، لذلك وجبت كتابة هذه السطور، ليس دفاعا عن اليعقوب، بل دفاعا عن منطق الدولة.

بحكم زياراتي ثم إقامتي الطويلة في لبنان، عرفت كل السفراء منذ الأديب والسفير الراحل فؤاد مفتي، لكن العمل السياسي الحقيقي بعد اتفاق الطائف تم في فترة د. عبدالعزيز خوجة، بحكم أن لبنان – وقتها – أصبح أول مسرح مواجهة للصراع العربي – الإيراني، فضلا عن مناصرة المملكة للقضية اللبنانية، كمناصرتها لكل القضايا العادلة في العالم، فاللبنانيون أرادوا أن يعيشوا أحرارا مستقلين عن الوصاية السورية والسلاح الإيراني، وقدموا في سبيل ذلك الشهيد تلو الشهيد بداية من الرئيس رفيق الحريري، وخرجوا بمئات الآلاف إلى الشوارع، وهو ما يعادل الملايين في الدول الأخرى بالنسبة إلى عدد السكان.

وقد ابلى الخوجة بلاء حسنا في فترته قبل انتقاله إلى وزارة الثقافة والإعلام، ومن ضمن ذلك انتصار حلفاء المملكة في الانتخابات البرلمانية مرتين، ومحاصرة حزب الله كجيب داخل الدولة اللبنانية، وإخراج القوات السورية، وتأسيس المحكمة الدولية، ونشر الجيش اللبناني في مناطق حزب الله (الجنوب) لأول مرة، والقرار الأممي ١٧٠١ الذي ينص على نزع سلاح الميليشيات.

وفي تلك الأيام، ظهرت أصوات ما زالت أصداؤها تتردد إلى اليوم، تقول بأنه لا أهمية استراتيجية أو سياسية للبنان بالنسبة للمملكة، ولم يردد ذلك إلا جهلاء السياسة، لكن الأيام التالية أثبتت أهمية الجغرافيا اللبنانية: شرفة استراتيجية على سوريا والأراضي المحتلة والبحر المتوسط، وعاصمة إنسانية لأغلب الأقليات، من خلالها – مثلا – نهمس لدروز الشوف فيتم سماع صدى صوتنا في كرمل فلسطين، ونتحدث مع علويي جبل محسن ليأتي الرد من اللاذقية او أضنة ومرسين، والدليل المهم على ما سبق أن إيران وروسيا الأبعد منا عن لبنان يسعون لموطئ قدم فيه، والدليل الأهم أن إيران حين تقدمت في لبنان (كعب أخيل) تقدمت في سوريا والعراق وغير دولة. 

ثم أتت فترة السفير علي عواض عسيري، وهو سفير جيد خذلته الظروف، إذ طبقت المملكة حينها نظرية من يربح في سوريا يربح في لبنان، وطبقت إيران نظرية من يربح في لبنان يربح في سوريا، وللأسف ثبتت صحة النظرية الإيرانية، وكانت المقارنة بين عسيري وبين خوجة ظالمة، إذ أتيح للخوجة التواصل الدائم مع رأس الدولة، وتم منحه الثقة وحق المبادرة، لكن العسيري كان مكبلا، وبالتالي كانت نتائجه أقل من نتائج الخوجة بكثير.

لكن في فترة العسيري، تبدت ظاهرة خطيرة، إذ هبطت هيبة السفارة إلى أدنى مستوياتها، ولأسباب لا دخل للسفير فيها. 

ثم ظهرت بعد ذلك ظاهرة أخطر من خلال مسمى “مسؤول الملف اللبناني” لأنه ظهر علنا لأول مرة، وكانت سوريا الأسد أبا وابنا تسمي لبنان “الورقة اللبنانية”، ولبنان وطن ودولة لا هو ورقة ولا هو ملف، والأجدى والأنجع أن يكون السفير هو المسؤول العلني عن العلاقات بين البلدين، تحقيقا للمصلحة العامة وحفاظا على هيبة المؤسسات.

غادر علي عواض عسيري لبنان من دون توديع رسمي، وهذه حالة معيبة بحق وزارة الخارجية التي يفترض أن تحترم البروتوكول، وأتذكر خلال أيام الأمير الراحل سعود الفيصل، عاد د. غازي القصيبي إلى لندن بعد تعيينه بأشهر وزيرا للمياه ليولم له ولي العهد الأمير تشارلز حفل توديع بعد أن أشيع بأن القصيبي غادر المملكة المتحدة مطرودا بسبب قصيدته عن الفدائية الفلسطينية آيات الأخرس، وفي شهادة الأمير طلال بن عبدالعزيز على العصر أبدى ندمه على مغادرة باريس حين كان سفيرا فيها من دون توديع، لأن في ذلك إساءة لصورة المملكة.

وبعد مغادرة العسيري أشاعت وسائل إعلام لبنانية بأنه تم اكتشاف حالات فساد في عهده، وللأسف لم تتكلف السفارة عناء النفي، وهذا كان مسيئا بحق السفارة نفسها قبل أي احد.

المهم أنه جاءت فترة القائم بالأعمال وليد بخاري، وحينها غابت السفارة عن السياسة متحولة إلى ناد أدبي وتفرغت لمواقع التواصل الاجتماعي، وأقيمت جولات اجتماعية جيدة وملتقيات ثقافية ممتازة، وانتقل الملف السياسي للوزير ثامر السبهان الذي تخونه الدبلوماسية والسياسية مع خلفيته العسكرية، وحصلت تداعيات استقالة الرئيس سعد الحريري المشهورة، فلا أجادت السفارة وقائمها ولا أجاد السبهان، إذ لا يمكن مواجهة ميليشيا حزب الله الإرهابية وآلتها الدعائية بأنستغرام او تويتر.

وخلال الأزمة الحريرية تم تعيين وليد اليعقوب سفيرا لخادم الحرمين الشريفين في لبنان، ووصل إلى بيروت في ٢٠ نوفمبر ٢٠١٧، ولم يتم اعتماده إلا في ٣ يناير ٢٠١٨، وهذه زلة جديدة لوزارة الخارجية السعودية، إذ استطاعت وزارة الخارجية اللبنانية – علنا على الأقل – ربط اعتماد اليعقوب لبنانيا بالاعتماد السعودي لسفير لبنان في المملكة فوزي كبارة المعين منذ يوليو ٢٠١٧.

في أواخر فبراير ٢٠١٨ زار الموفد الملكي نزار العلولا لبنان، وهو شخصية محترمة وواعية، يرافقه وليد بخاري، الذي أصبح منذ ٢٩ ديسمبر ٢٠١٧ نائبا لوكيل وزارة الخارجية لشؤون المراسم، وهو يتمتع بعقل أوروبي في العمل فضلا عن التهذيب، وفي ٢٨ فبراير ٢٠١٨ غادر العلولا والبخاري واليعقوب إلى الرياض لاستقبال الرئيس سعد الحريري في زيارته التاريخية، لكن من سيعود إلى لبنان بعد الحريري هو البخاري لا اليعقوب.

خلال فترة اليعقوب في لبنان لم ألتقه غير ٣ مرات، ووجدت فيه خامة جيدة قابلة للتطور، لا تعرف الادعاء أو التكبر على النقد والملاحظات والاقتراحات، متواضع وعملي، يتحدث بجمل سياسية واضحة ومفهمومة، لا يخجل من قول “لا أعلم” كما لا يخشى المواجهة، وهذه مزايا مهمة تبشر بكفاءة دبلوماسية شابة في مملكة الشباب ورؤية ٢٠٣٠، وفترته القصيرة لا تتيح لنا أن نعيبه وننتقده، بل إن تصريحاته القليلة، ومنها ما جاء بعد زيارة بطريرك الموارنة بشارة الراعي، كان صداها ممتازا، لكنني لاحظت أن شائعات باطلة، او انطباعات ظالمة، تحوم حوله، مع أنه لو منح الفرصة والثقة والوقت والدعم لحقق نتائج ممتازة.

لم يمض اليعقوب – رسميا – في عمله غير شهرين، ويبدو أنه لن يعود، وأوجه اللوم مجددا هنا لوزارة الخارجية، فهناك استسهال في التعيين واستسهال في الإعفاء، وهناك انتقاص من هيبة القسم أمام خادم الحرمين الشريفين، وأتمنى احترام البروتوكول فلا يغادر السفير من دون توديع، ولا أتذكر وزارة في العالم عينت سفيرا وأعفته بهذه الطريقة في ظروف طبيعية، ولا توجد وزارة – على مر التاريخ – تغير سفراءها مع تغيير سياساتها التي قد تتبدل كل يوم، علما بأن العلاقات السعودية – اللبنانية ستشهد انفراجة تاريخية وقفزة مشرقة في المدى المنظور.

إنني أتوجه هنا إلى الوزير عادل الجبير الذي أجله وأحترمه واشدت به وسأشيد، ليخاطب السعوديين واللبنانيين حول ما جرى، فوزارته الموقرة وضعت صورة وزارته في خانة التخبط وعدم احترام لبنان، وليس لأمثالي ممن اعتادوا الظهور في وسائل الإعلام اللبنانية قدرة على الرد، ولم أتبوأ في حياتي أي منصب رسمي متعاونا أو متفرغا كي يتم اتهامي بمصلحة شخصية، ولا يهمني تعيين فلان أو عزله ولا عودة علان او رحيله، إنما رائدي هو الحفاظ على المصلحة العامة ومنطق الدولة وصورتها وهيبتها، وعليه أتمنى أن يجاوب الوزير الجبير على سؤال واحد فقط: إن كان البخاري جيدا فلماذا تم سحبه اول مرة وإن كان اليعقوب ضعيفا فلماذا تم تعيينه من الأساس؟! احترام السفراء والدبلوماسيين من مرجعهم سبب احترام الدول الأخرى لهم ولمرجعهم، اللهم بلغت اللهم فاشهد.

حول الكاتب