21 أغسطس 2017 مـ / موافق 29 ذو القعدة, 1438 هـ


وزارة الثقافة والإعلام بلا وزير

ثلاث شخصيات محترمة دخلت في صدام مع وزير الثقافة والإعلام في السعودية د. عادل الطريفي، وهم على التوالي: خالد المالك وقينان الغامدي وحسين با فقيه.

على هامش زيارة ولي ولي العهد الأخيرة للولايات المتحدة فوجئنا بتسرب نبأ صدام بين الوزير وبين عميد رؤساء التحرير السعوديين الأستاذ خالد المالك، والمالك شخصية مهذبة جدا ولا يمكن التشكيك في ولائها، ومهما اختلفنا مع مدرسته المهنية إلا أننا يجب أن نعترف بقيمته المهنية، وهناك معلومة جديرة بالاعتبار، وهي أن خالد المالك تولى رئاسة تحرير صحيفة (الجزيرة) عام 1972، في حين كان مولد عادل الطريفي سنة 1979.

وبغض النظر عن تفاصيل الخلاف أو طريقة إدارته التي تسجل على الوزير ولا تسجل له، بدا مثيرا للدهشة وقوع تصادم من الأساس مع شخصية مسالمة وموالية ومحترمة مثل خالد المالك، بل إننا لا نبالغ حين نقول انه جاءت مراحل في تاريخ الإعلام السعودي كان فيها الثلاثي الشهير: تركي السديري (رئيس تحرير صحيفة الرياض) وهاشم عبده هاشم (رئيس تحرير صحيفة عكاظ) وخالد المالك، أهم من وزير الإعلام، بفضل المكانة المعنوية لهذا الثلاثي عند أصحاب القرار.

ولم تمر أسابيع على الصدام بين المالك وبين الطريفي، حتى فوجئنا بإرهاصات صدام آخر بين الوزير وبين الأستاذ قينان الغامدي، والغامدي كذلك صاحب تاريخ مهني حافل ومؤثر، وهو على الصعيد الشخصي محترم وخلوق ووطنيته لا غبار عليها، لكنه فاجأنا بتغريدات قاسية في مواقع التواصل الاجتماعي عن الوزير الطريفي، وأقلها قسوة ما نصه: “مهمة وزير الثقافة والإعلام أن يؤسس وعيا، ووسيلته الإعلام، لكن وزيرنا صامت، كنا نظنه شيئا فتبين أنه لا شيء، تبين أنه لا يصلح مطلقا فأقيلوه”، ومن الواضح أن تغريدات قينان انقسمت إلى قسمين: قسم يخص تعامل الوزير مع الناس، الصحافيين والمثقفين خصوصا، وقسم آخر يخص الأداء.

وبعد هذه الحوادث، وقعت الطامة الكبرى، وقبل سرد تفاصيلها، أستذكر حادثة كنت أحد أطرافها، دعا وزير إعلام سابق مجموعة من المثقفين والصحافيين إلى مأدبة غداء، وقام الزميل عمر جستنية بمكاشفة الوزير أمام الملأ، فالإذاعة السعودية تستخدم مقطوعات موسيقية من دون أخذ الإجراءات اللازمة المتعلقة بحقوق الملكية الفكرية، وهنا انتفض الوزير قائلا: “أرجوك لا تفضحنا، سنعالج المسألة فورا”، وكانت انتفاضة الوزير مردها أن وزارته من أهم مسؤولياتها حماية الملكية الفكرية، ومن غير اللائق ومن غير الجائز بتاتا أن تقوم هذه الوزارة بالذات بانتهاكها.

المهم، فاجأنا الوزير الموقر في مناسبة عامة بسرقة صريحة وفاضحة لأبيات من قصيدة أحمد شوقي “قالوا فروق الملك دار مخاوف” ونسبتها لنفسه، وأصبح الموضوع مثار سخرية العرب من المحيط إلى الخليج، والنكتة المصرية في لذعة طريفة ربطت الأبيات بقضية تيران وصنافير، وأحدهم علق ساخرا أيضا، أن الوزير لم يسرق أبيات أحمد شوقي، بل إن أحمد شوقي هو من سرقه.

والحقيقة لست أدري كيف يتجرأ أحد من مشارق الأرض إلى مغاربها بمجرد التفكير في سرقة أحمد شوقي، فانتشار قصائد شوقي ومكانته يجعل كشف السرقة سهلا، وهناك جحافل من الشعراء المغمورين كان بالإمكان الاستفادة من قصائدهم شراء أو اختلاسا كما يجري في بعض مشهد الشعر الشعبي في الخليج، هذا إذا تغاضينا عن الإدانة المطلقة لمثل هكذا سلوك.

كتب الناقد السعودي البارز حسين با فقيه تغريدات تويترية نص خلاصتها: “لو أنزلنا الأبيات التي ألقاها الدكتور عادل الطريفي على حدود النقد القديم، لما خرجت عن كونها سرقة شعرية مكتملة العناصر”، ونتيجة هذه التغريدة قام الطريفي بإيقاف بافقيه عن الكتابة في الصحف السعودية، وقد أبلغته الصحيفة التي يكتب فيها بمضمون الإيقاف رسميا، والمصيبة أن المتحدث الرسمي باسم الوزارة نفى ذلك.

وبشاعة تعامل الوزير مع بافقيه لا تقل بشاعة عن حادثة سرقة أحمد شوقي، فنحن نتحدث هنا عن حالتين تستدعي الإقالة حكما وحتما، الأولى أن المسؤول عن حماية حقوق الملكية الفكرية هو من ينتهكها علنا وبلا خجل، والثانية استغلال المنصب لتصفية خلافات شخصية، وكل حالة أسوأ من الأخرى.

والحقيقة أن نموذج تعامل الطريفي مع خالد المالك وقينان الغامدي يثبت عجزه عن التعامل مع الغير، وربما لا تكون هذه الصفة مهمة في بعض المناصب القيادية أو بعض الوظائف العامة، لكنها شرط أساس في أي وزير للثقافة والإعلام لأنه يتعامل بشكل شبه دائم وشبه مباشر مع آلاف الصحافيين والمثقفين.

صراعات الطريفي الصغيرة ومشكلاته الكبيرة تسيء لمقام الوزارة ولجيل الشباب ولسمعة البلاد، فالتصادم الدوري مع الصحافيين والمثقفين قد يوحي بأن العهد الجديد معاد للثقافة وللإعلام وهذا غير صحيح مطلقا، ولو قام وزير إنجليزي بسرقة مسرحية لشكسبير ونسبها لنفسه لن يقال من منصبه فقط بل سيرمى بالحجارة أيضا وربما تسقط الحكومة كلها بفضيحة دولية، وأيا كان سببه فأسلوب الإيقاف سياسيا يليق بخصومنا الشموليين كبشار الأسد وعلي خامنئي وحسن نصرالله ولا يليق بدولة محترمة كالمملكة، كما أنه من الناحية التقنية، يوحي بأن المملكة دولة متخلفة، فالصحافة الورقية لم تعد بذلك التأثير والحضور في العصر الإلكتروني ومع ذلك فإن الوزير الموقر ما زال يتعامل بمنطقها وكأنه خارج العصر والتاريخ، والأسوأ من كل ما سبق هو العامل الشخصي، وللإنصاف هنا أتذكر الوزيرين الأسبقين إياد مدني وعبدالعزيز خوجة لأنهما كانا يتباهيان بأن الصحافة تنتقدهما وهما على رأس وزارة الإعلام، ومن سبقهم الوزير فؤاد فارسي، كان يتفاخر بدفاعه في بعض الأحيان عن الصحافيين والمثقفين أمام الجهات المعنية، رغم أن سنة الإيقاف كانت جارية في عهده.

المأمول أن يكون بديل الطريفي من جيل الشباب، ففشل شاب على رأس الوزارة بسبب سوء الأداء أو بسبب سوء الاختيار من الظلم أن يتم إسقاطه على جيل كامل، خصوصا وأن هناك من أبناء هذا الجيل من نجح في مناصب قيادية أخرى خلال العامين الماضيين.

إنها فرصة ذهبية لا بد من انتهازها لاعتماد قرار تأخر صدوره، وهو فصل الإعلام عن الثقافة في وزارتين منفصلتين، فقطاع الثقافة وقع عليه الظلم حين تم إلحاقه سابقا بوزارة التعليم العالي وراهنا حين تم إلحاقه بالإعلام، بينما يستحق هذا القطاع اهتماما مستقلا يتواءم مع الرؤية السعودية 2030، فالثقافة في جزء منها ترفيه وفي جزء منها اقتصاد كما هي في أجزاء أخرى أمن وضوء وتربية ووعي، والقصد من هذا الحديث هو القول بأن الثقافة ليست قطاعا نخبويا وجافا بل هي من عناوين الحياة، والتغيرات الاجتماعية في السعودية خصوصا في مجالات الفنون تستحق تعاملا راقيا واستثنائيا للاستفادة منها وتطويرها، وربما لن يحصل ذلك من دون استقلال القطاع الثقافي عن وزارة الإعلام كمقدمة لاستقلاله الكلي عن العمل الحكومي.

حين أنظر الى السيرة الذاتية لخصوم الطريفي أشعر بالدهشة، فخالد المالك من مؤسسي الشركة الوطنية للتوزيع وهو المؤسس الثاني لصحيفة الجزيرة، وقينان الغامدي صال وجال رئيسا للتحرير في ثلاث صحف سعودية، وحسين بافقيه له مسيرته الأكاديمية والثقافية المحترمة وإصداراته القيمة، وكل فرد من هؤلاء احتاج إلى عقود كي يصل إلى مكانته الحالية، أما وزيرنا فقد أصبح رئيسا لتحرير مجلة المجلة سنة 2010 من دون أي خبرة صحافية باستثناء مقالاته الأسبوعية في هذه المطبوعة أو تلك (وهناك فرق بين الصحافي وبين الكاتب الذي تأسس أكاديميا بشكل جيد)، وفي عام 2013 أصبح رئيسا لتحرير الشرق الأوسط، وفي عام 2014 انتقل إلى قناة العربية وبعد ذلك بعام وزيرا للثقافة والإعلام، والغريب أنه لم يحقق أي منجز إعلامي في أي مكان تولاه ليس بسبب ضعف قدراته بالضرورة إنما بسبب قصر وقته، لذلك ليته يؤلف كتابا عن صعوده الصاروخي في 5 سنوات من أجل الناشئة ومن أجل توثيق التاريخ، وما يحزن حقا أن من يصعد كالصاروخ يسقط كالصاروخ أيضا.

حول الكاتب