25 فبراير 2017 مـ / موافق 28 جمادى الأولى, 1438 هـ


معاداة النظافة ليست خرافة!!

نَتَّفق جَميعًا عَلَى أَنَّ «النَّظَافة مِن الإيمَان»، وأنَّ الاستحمَام -أَو مَا يُسمَّى في كُتب الفِقه الاغتسَال- أَمرٌ مَطلوبٌ، عَلى الأقَل مَرَّة في الأسبُوع آنَاء الشِّتَاء، أَمَّا فِي الصّيف، فيُستحبُّ كُلَّ يَوم؛ نَظرًا لجيُوش العَرَق التي تَغزو مَسَامَات الجِسم، ولَا يَنفَع مَعها مُزيل العَرَق، أَو مُلطِّف الأَرَق..!
كُلُّ هَذا مَعروفٌ ومَفهومٌ، ولَكن مَا لَا أَفهَمه، هو تِلك التَّصرُّفات الغَريبَة التي يُمارسها بَعض الأُدبَاء والفَلَاسِفَة، الذين يُشبهون الأطفَال حَين يُجبَرون عَلَى الاستحمَام، وهَؤلاء الفَلاسِفَة والأُدبَاء لَيسوا بالعَدَد القَليل، بَل هُم طَائفة لَا بَأس بِهَا، حَيثُ يَقول الكَاتِب السَّاخِر «أنيس منصور» -رَحمه الله- الذي أَحصَى جُزءًا مِنهم: (أُحبُّ الشَّاعِرَ العَربيَّ الرَّقيقَ البَديعَ الذَّكيَّ «البحتري»، وأُحبُّ أَيضًا «الحريري، والجاحظ، وأبا حيان التوحيدي»، والغَريب أَنَّهم جَميعًا مِن أَقذَر خَلق الله، إذْ كَانوا لَا يَستخدمون المَاء إلاَّ نَادِرًا.. شَيءٌ عَجيبٌ أَنْ تَجِدَ الوَاحِد مِنهم يَقتَربُ مِن المَاء، ولَا يَمدُّ يَدَه، ويَقتَربُ مِن النَّهر، ولَا يَنزل فِيهِ، ولَا يَهمُّ كَثيرًا بأَنْ يَضيقَ النَّاس برَائحة فَمِهِ ومَلابسِهِ)..!
أَكثَر مِن ذَلك، صَدَر قَبل فَترة كِتَابٌ عَن العَبقريِّ الفِيزيائيِّ «آينشتاين»، أَهَم مَا جَاء فِيهِ، أنَّه كَان رَجُلاً قَذِرًا جِدًّا، فلَا يَستحمُّ إلاَّ نَادرًا، وكَان يَقول: «إنَّ الاستحمَامَ يُغيِّر دَرجة حَرارة جَسدي، وأَنَا أُريد أَنْ أَحتَفظَ بثَبَات دَرجَات الحَرَارَة»..!
إنَّ هَؤلاء الفَلاسِفَة والأُدبَاء والشُّعرَاء؛ أَحرارٌ فِي عَدم استحمَامهم، ولَكن مَا لَيسوا أَحرَارًا فِيهِ، هو أَنَّ رَوائحهم النَّتنَة تُزعج غَيرهم، ومِن المَعروف أَنَّ الحُريَّة حَقٌّ مِن حقُوق أَيِّ إنسَان، مَا لَم يَعتدِ عَلى حُريَّة الآخرين، وبالذَّات مَن يَسكن مَعه، مِن زَوجةٍ، أَو أَخٍ، أَو رَفيقٍ، أَو أُسرةٍ، لذَلك لَم يَكُن مِن زَوجة «آينشتاين»؛ حِين خُيِّرت بَين الابتعَاد عَنه، أَو تَحمُّل رَائحته الكَريهَة، إلاَّ أَنْ اختَارت إجرَاء عَمليَّة لاستئصَال حَاسَّة الشَّم، وهَذه أَعظم صور الوفَاء والحُب..!
حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!
بَقي أَن نَطرح الاستفهَام التَّالي -بغَضِّ النَّظَر عَن مَن يَستحمّ ومَن لَا يَستحمّ- وهو: هَل نَجد هَذه الأيَّام مِثل تِلك الزَّوجَة الوَفيَّة؛ التي تَتنَازل عَن حَاسَّة الشَّم؛ مُقابل مَحبَّة زَوجهَا؟! 

المدينة

حول الكاتب