25 مارس 2017 مـ / موافق 26 جمادى الأولىI, 1438 هـ


قسوة.. وعقوق!

أشعر برعبٍ شديد كلّما تابعت قضايا عقوق الوالدين التي تنشرها الصحف والمواقع الاجتماعية، لا أدري كيف بعد كل هذه الحياة التي تهبها الأم لجنينها بأمر من الله عز وجل، وهو في رحمها وحجم الحنان الذي ينمو معها تجاهه، وكل الكبد الذي تعيشه في تربيته هي ووالده، لينتظرا في يوم من الأيام ثمرة هذا الجهد وهذا الحب أن يجدا ابناً يصنع النجاح ويفتخرا به فإذا به يجازيهما بالعقوق!

موجع هذا الشعور لكل أم وكل أب، بقيا ينتظران سنوات طويلة ليفرحا بثمرة تعبهما فإذا بهما يقطفا ثمرة فاسدة، يأكلا منها مجبرين فإذا بها تسري كالمرض في جسديهما.

عندما نتحدث عن العقوق يتبادر لنا فوراً صورة عقوق الوالدين، حيث المعنى للكلمة بحسب المعاجم جحود الابن لوالديه ونسيان فضلهما. الأدهى والأمر أن ما نراه اليوم قد تجاوز الجحود إلى مرحلة أكبر وهي الجريمة بالاعتداء أو حتى بالقتل، والعقوق بشكل عام لا يمكن أن يصدر من بشر أسوياء، ونشهد حالياً تطور لصوره وأشكاله كما تابعنا من جرائم قتل الوالدين من المتطرفين الدواعش أو مدمني المخدرات، أو حتى جحود الوالدين والارتماء بأحضان أعداء الوطن والهروب للخارج!

عندما زرت في منتصف هذا الأسبوع جهتين هما: «دار المسنات» و»دار الرعاية الاجتماعية» عشت في أزمة نفسية وأنا أرى صورتين من صور العقوق، الأولى عقوق -بعض- الأبناء لأمهاتهم، وذلك بإيداعهن في الدار التي تقوم عليها الدولة ولم تقصر معهن، لكن يظل حضن المنزل هو الأدفأ، لا أدري كيف يُمكن لابن أن يُلقي بأمه في دار إيواء حتى وإن كانت ظروفه أو إمكانياته لا تسمح لرعايتها؟! الابن السوي لا يُمكن أن يُقدم على هذا الفعل فهو يختار أن يموت من الجوع في أحضان أمه ولا يبتعد عنها حتى وإن وضعها في مكان يوفر لها حياة كريمة كدار المسنات!

الصورة الثانية من العقوق التي شهدتها في زيارتي، هي في دار مخصصة لذوي الاحتياجات الخاصة، هذه المرة هي عقوق -بعض- الآباء تجاه أبنائهم من هذه الفئة التي لم تختار أن تكون من ذوي الاحتياجات الخاصة، وبرغم الامكانات الرائعة التي وفرتها الدولة في هذه الدور، وبرغم وجود موظفات هنّ «ملائكة رحمة» وموظفين هم «بلسم أمل» إلا أن الأباء ممن لديهم قدرة على احتواء أبنائهم وتربيتهم وسط أجواء الأسرة، هم أيضاً قاموا بفعل العقوق في التخلي عن مسؤوليتهم ورميها على غيرهم، خصوصاً وأن هناك فئات من ذوي الاحتياجات الخاصة بحاجة إلى جو الأسرة وحنان الأم ورعاية الأب والإخوان.

لا أدري من أي مادة صُنعت هذه القلوب؟ من أين استمدوا كل هذه القسوة؟ ونحن في مجتمع عشنا وتربينا على البر والحنان والمحبة والشكر والعرفان للغرباء قبل الأقرباء، فكيف به بين الآباء والأبناء؟!

الجزيرة

حول الكاتب