26 يوليو 2017 مـ / موافق 4 ذو القعدة, 1438 هـ


راسموا الخرائط

تخيل رجلا غريباً يصل لأول مرة إلى مدينة مترامية الأطراف متسعة الأرجاء إلا أنها بدائية، ويتعين عليه أن يتجول في أرجائها.  بأمكانه أن يسأل سكانها عن دروبها ومسالكها، أو يستأجر أحد أبنائها كمرشد، ولكن كلا الوسيلتين لا يفي بالغرض، خصوصاً أنه يريد الاستقلال بذاته؛ لذا فإن الحصول على خرائط أفضل وسيلة لتحقيق غرضه، فإن لم تكن متوفرة فإن عليه أن يفعل ذلك بنفسه. وبمجرد أن يحقق ذلك سيكون بإمكانه أن يشق طريقه إلى أي مكان في المدينة بثقة ربما تزيد عن ثقة سكان المدينة أنفسهم، وسيعرف أيضاً كل الشوارع والأحياء أفضل من كثير من سكانها، الذين لا يعرفون إلا الجانب الذي يقطنونه.

إلا أن ثمة سلبية في الخرائط ذلك أنها تعبر عن تجريداتها وخطوطها، وهي ليست الواقع بذاته، ولن تعطينا عمقاً في معرفة تفاصيل المدينة كما يعرفها القاطنون بها. في المقابل هؤلاء القاطنون لا يعرفون غير المساحة الضيقة التي عاشوا فيها ولا تمثل الواقع الأكبر وإنما جزءا منه، وبهذا ستكون نظرتهم محدودة بمحدودية ما عايشوه وخبروه.

فإن حصل أحد قاطني المدينة الخبراء فيها على خرائطها فلا شك أنه سيتفوق على صاحب الخرائط وساكنيها الآخرين.

وهكذا نحن في حياتنا الواقعية محدودون بما عايشناه وتعلمناه في المنازل والمدارس وخبرناه من تجاربنا واحتكاكنا في المجتمع، ونعاني صعوبة في إدراك الحياة بشكلها الواسع وإن ظننا خلاف ذلك.

بينما من يقرأ أكثر يحصل على خرائط أكثر، خرائط في مختلف العلوم والمجالات، وهذه الخرائط مع الوقت ستمنحه نظرة وزوايا أكثر اتساعاً للواقع من غيره.

وحينما يشق باحث ما عباب العلوم والمعرفة فإنه في حقيقة الأمر يقوم بإنشاء خرائطه الخاصة، وهي خرائط يمكن أن يستعين بها الآخرون وينقحوها أو يزيدوا عليها في بناء معرفي متراكم، والدال على الخير كفاعله.

وبهذا يكون الكاتب في حقيقة الأمر كراسم الخرائط، والقارئ كالمستعين بها، وغير القارئ كرجل المدينة الذي يجلس في أحد زواياها رافعاً رجلاً على رجل وهو يكاد يجزم بأنه يعرف كل العالم بينما لم تصل قدمه إلى الشارع الذي يمر خلف بيته!

حول الكاتب