25 فبراير 2017 مـ / موافق 28 جمادى الأولى, 1438 هـ


كيف سيكتب عنها

بكل تنافر خصال الأنثى، وكل طموحاتها، نظرت لعين قلمي ولعا، وقالت: اكتب عني!

كان من الممكن أن تتهاوى عن أعطاف قلمي كل كلمات العشق، وأن يحتار فيض مداده فكم من واد سيجري فيه، وكم من سهل سيتجمع فوقه بحيرة زرقاء، وكم من جبل سيصعده عبثا، وكم من قطرات موج مشاغبة ستلسعها أشعة شمس عاشقة، فترتقي حولها رقصات فراشات السحاب.

ولكن عجبا لقلمي، فلم يجب، ولكنه نظر لي بعينه الوحيدة الحزينة، وأطلق دمعة حبر منبثقة، لم تفصح سجيتها إلا عن بقعة زرقاء غامقة، زادت غموض لحظتي تعمقا في أغوار عين الحيرة.

كيف سيكتب قلمي عن إنسانة، لها كل هذا الحضور الأزلي، ولها كل هذا الجمال المدهش، الذي يتأنث به نصف ما تلمسه أناملها، حتى كتل الجماد؛ ولها بسمة تغوي بكل أطياف المشاعر، التي تخترق كل مساحات الفضاء الخارجي، ليسمعها حتى رواد فضاء ليس فيه إلا وهم الأثير، تلك الأنثى المطوية القد، التي تختزل كل وحشية العصور، وبدائية عنف العواطف، ورونق الزهور، وانحنائه خصر غصن النرجس، وهو ينظر لصورته في صفحة الماء، بثقة من يدرك قدر الأنا فيه.

كيف سيطوي قلمي صفار صحف متكتمة بتناقضات المعاني، فالحب فيها نهر، والعطف فيها بحر، والمكر، وقميص لا يعرف هل قُد من قبل أو من دبر، وتفاحة ليل تغري، وسرعان ما تصبح مقطعة على أصابع دامية، وعشق صحراوي عذري، يتصيد ملايين أبيات شعر الغزل، ويصد عنها أنفا، ويدعي أنها لا تكفي، ولا تستحق أن يلتوي لها العنق المرمري المنبثق بالعطور، ولا أن يغمض لها الرمش الكاحل، في نظرة عبور تسافر فوق المسافات، فلا تضطر للبوح بما يغريها، من شباب وعنفوان، ورجولة تتسامر بها الركبان، وتنقشها المسامير على الأحجار، وتزهر بها حكايات الشعوب، في أساطير الخيال والنور، الذي لا يبصر، إلا الحب.

قلمي كيان ضعيف، يحتاج لكل عناصر التجدد والقوة، من أعشاب غرام، وبذور سحر، وأنفاس يقين، وحمامات سلام، وقلوب ملونة ترتقي فوق نقاط الحروف، لتنير الظلام وتحكي عن تباريح الهيام.

قلمي لو كتب حرف الحاء، فلن يتمكن من اتباعه بالباء، بل سيبتلع ريقه ويغمض عينه، وربما بعدها تصمت دقات قلبه الضعيف، فلا تعود قمته ترسم دقات أمل، ولا يسري فيها نبض الحياة، مع كل محاولات مريرة لمدعي قبلات الحياة، التي تفشل عن تجاوز وشرح حالته، المتعسرة.

سامحي قلمي يا عين الحياة، فكيانه قد يكتب عن حوادث الدهر، وزلازل الزمان، ومعجزات الخيال، وملاحم الدم، والدمار، والهدم؛ ولكنه سيعجز يقينا عن كتابة شيء منك، فأنت محبرة كل الأقلام، وأنت صحائف العشق المطوية، فوق رفوف مكاتب التاريخ، وحتى قبل أن يكون للتاريخ ذاكرة، فكيف سيكتب عنك قلمي، الذي يحتاج لشفرة مبراة، وألف ألف محاية، وملايين الأوراق ليكتب كلمة واحدة تصدق بأن تفيك حق من حقوقك.

يا ابنة الأرض النابتة، يا جذع الحقيقة، يا نصف الكون، أرجوك، خففي حملك عن ظهر قلمي، فهو من ساعة طلبك يبكي، ودمعه المنتثر دليل حيرته، وعجز خطواته واستدارتها دليل ثقل وعظم المهمة، وانظري للخرابيش، التي رسمها حوله، وفوقه وتحته، بلغات ليست من لغات البشرية، ورسمات ليست من معالم الوجود الملموس، لأنه ظل يبحث عنك، ويستدير، وينقلب، ولا يجدك، إلا في جوفه، وفي مخيلته، طاغية، مثبتة، غائبة، تقول الكثير، وتنسيه الأكثر، وتحاول خلق أبجديات جديدة، سيتعلمها البشر من بعده، ليكون لهم قلب وسط القلب، وعين ترى العين، ومشاعر تصوغ وتهب الرحمة، ويكون لهم دليل رقي وسلام أبدي، حتى وإن كان قد بدأ بداياته في كيان أمنا حواء، إلا أنه لا شك سينتهي بك أنت، يا أم الحروف، يا أنثى كل العصور، يا جاذبية كل ذكور المخلوقات.

حول الكاتب