24 أبريل 2017 مـ / موافق 27 رجب, 1438 هـ


من هو الوطني؟

‏لم يُوجد مشروع الوطنية قبل نشأة الدولة الحديثة،حيث كانت التجمعات البشرية محكومة بالانتماء العرقي والديني وبغرائز الخوف والبقاء،تضيق وتتسع هذه العلاقة حسب الأخطار المحدقة والمصالح المشتركة.ومع تطور المجتمعات أُوجِدّت الدول وتجاوزت معها البشرية الرابطة المحصورة في الانتماءات والأيديولوجيات الضيقة إلى مفاهيم أرقى وأوسع.

‏غير أن هذه المفاهيم بقيت ضامرة الجذور لدى الكثير في ظل غياب نظم توفر البيئة الصحية لازدهارها، بل أن بعض الأنظمة عمدت على تأطير المواطنة لتحقيق غايات خاصة ،وأستغلت الفراغ الناتج بين الوطن والمواطن والجهل بمعنى المواطنة والوطن الشامل الذي يتجاوز فكرة أنه الأرض التي نعيش عليها، في تحريف وتحوير معانيهما السامية، واستخدامهما  كأداة لكسب الولاء تارة والإقصاء تارة أخرى.

‏فما هو وطني اليوم قد يكون غير وطني غداً والعكس صحيح ,كما فعل و كيّف ذلك القساوسة  بعصور الظلام حسب المصلحة والأهواء.

‏لذا كيف نعرف ماهي الوطنية ومن هو الوطني والغير وطني؟

‏تزداد الأسئلة إلحاحاً هذه الأيام بحثاً عن مضمون الوطنية تفاعلاً مع الواقع المعاصر والخلافات الإقليمية بالتزامن مع إرهاصات إعصار الربيع العربي ومشاكل اللاجئين الدولية، حين أصبح المواطن يبيت صالحاً آمناً ويستيقظ خائناً! أو بلا جنسية.

‏فهل الوطنية مرتبطة بحب دولة أو بكرهها ؟ أو بحب الغرب وتركيا و إيران أو بكرهها؟

‏أم هي مرتبطة ببيع الشرف للحصول على معلومات سرية كما فعلت الوزيرة الإسرائيلية لينفي!

‏وهل الوطني هو من يرقص كثيراً في اليوم الوطني ؟ أو من يصدح بصوته مع طلال “وطني الحبيب ولا أحب سواكَ” ؟

‏هل هو المُحب لكل الوزراء والأمراء ؟

‏وهل المديح والنفاق والتزلف للأنظمة ولاء؟ والانتقاد والتعارض معها بغرض الإصلاح خيانة وجفاء ؟

‏هل وهل وهل, سلسلة لاتنقطع من الاستفهامات المفتوحة تبحث عن معايير دقيقة لتجيب عليها، والتي لن تجد إجابة شافية ودقيقة إلا من خلال تبني مشروع وطني متكامل,مدعومٍ بالقانون والتعليم والثقافة والإعلام،تُعّزز منه قيم المواطنة وتعاد فيه صياغة المفاهيم وتهدم به آليات التأويل والتحريف.

‏تتنوع التعاريف والآراء في شرح جوهر الوطنية، والتي  يمكن حصرها في مصب واحد تجاه كل ما من شأنه إعلاء وحماية وخدمة الوطن كاملاً وشرائحه كافةً بلا استثناء.

‏وهذه الخدمة والحماية والمصلحة تستمد دليلها الوطني من دستور يحوي مواد منتقاة تم التوافق عليها، وطرق وكيفية خدمة وحماية الوطن لا تحدد  بشخص أو شريحة, بل تحددها مكونات الشعب حسب معطيات وصلاحيات يملكها بكونه مصدر السلطات ووممثّل بنواب منتخبين تقرّر عن العموم.غير ذلك ليس إلا وطنية مشوهة تخدم المصالح الضيقة ،ومعلقة بمزاج نُخب متنفذة سواء كانوا أفراداً  أو شرائح سياسية معينة.

‏فالرأي بضرورة عمل علاقة مع الصين أو كوبا مثلاً، لا يمثل معياراً أو مقياساً حقيقي للوطني وغير الوطني, فقد يكون ما يراه مواطن حاجةً يراه آخر عكس ذلك، وقد تكون الرؤية الصحيحة في نظر الحكومة غير صحيحة في نظر المثقفين والمجتمع المدني.

‏ولا غرابة أن تتخاصم حكومات الغرب مع بعض دول جنوب أمريكا, فيما تجد الكثير من الجهات الحقوقية والإعلامية والخيرية فيها تتعامل مع حكومات وشعوب تلك الدول وبكل استقلالية في إطار القيم الإنسانية والخيرية والمهنية, ولن تُتهم أو تجرم على ذلك. فالفصل هنا -ودائماً في مثل هذه النظريات والاختلافات- يعود للمصلحة والمنافع العامة، التي يختارها نواب المجتمع بعد النقاش والتصويت المبني على التعاون والدراسات التي تقدم من الشركاء الآخرين في النقابات و المؤسسات الأهلية و الإعلام و الخبراء المختصين في الغرف المغلقة.

‏والمزايدة بالوطنية لتبرير ممارسات معينة, كما فعلت لفيني وزيرة الخارجية الاسرائيلية السابقة حين كشفت عن ممارستها الجنس خلال عملها بالموساد مع شخصيات عربية للحصول على معلومات تخدم بلادها! يعد تشويهاً للقيم الإنسانية قبل أن يكون تشويهاً للقيم الوطنية,والتي لا يمكن إثباتها بالجرائم والدعارة والنفاق.

‏وربط الوطنية بشخص أو قبيلة أو عائلة يعتبر تحقيراً لها. فعدم حبي لوزير أو مسوؤل  لتحفظي على مخرجاته , لا يمت لعدم الوطنية بصلة، كونها(الوطنية) لا ترتبط بأشخاص  أو جماعات قدر ما تنتمي لأرض وقيم مستقلة وشعب بأكمله.

‏نعم قد لا أقتنع بمثقف أو مسؤولاً أو أميراً ما ولكني لن أرضى على هذا الوطن بسوء ولن أساوم على من هم على أرضه،فالأمور ليست شخصية قدر ماهي موازنة للأفعال وقياس للنتائج.

‏وتقدير الوطنية بنوع الانتماء لدين أو مذهب أوطائفة معينة يُعد إقصاء لها، لأن الجميع فوق أرض الوطن شركاء متساوون في الحقوق والواجبات بغض النظر عن ألوانهم وأديانهم وأجناسهم،وما يهم في علاقاتنا مع البشر هو التعايش المضمون ببرنامج أخلاقي يستوعب اختلافاتنا في الحياة العابرة، أما علاقة الفرد الخاصة بربه فلن يسمح المؤمن منا لأحد باقتحامها.

‏أخيراً , يجب أن يعي الجميع ماهي أسس المواطنة بلغة العصر الحديث، بما فيها الأجيال القادمة لتتشربها في البيوت والمدارس والحياة بكل الوسائل،وإن الوطني يُعرف حجمه بمدى الوفاء والالتزام بالنظام والقانون والهوية،وإن الهوية الوطنية تتشكل حول المبادئ القائمة على أساس الشراكة والتنمية والتعاون والدفاع والحفاظ على المكتسبات والثروات،وهذه ليست حكراً على أحد ولا ملكاً لأحد متى شاء يمنحها ومتى شاء يسلبها, أو متى شاء يُزكي بها أو يخوّن بها.

‏لندحض بذلك لغة التشكيك_ إلا في حالات منصوصة تستوجب العقاب_والتخوين الذي ينسف العلاقة الإنسانية والثقة الوطنية،ويكسر العقد الاجتماعي الضابط بين الحاكم والمحكوم،ونصنع بتلك الثقافة أوطان أسمى من الأشخاص والعادات والخلافات, ونوجّد ضمير أمة تفرح وتحزن وتتألم سوياً،أمة تقشعر أبدانها لعزف نشيده, وتهطل دموعها لفراقه, وتشعر بالنشوة لرفرفة علمه, وتريق دمائها فِداء لترابه.

حول الكاتب