24 أبريل 2017 مـ / موافق 27 رجب, 1438 هـ


وقفة تأمل مع التصوير

التصوير (الحديث) بالآلات العصرية، سواء ما كان منه بروح، أو لم يكن له روح كما يحلو تقسيمه؛ ليس له نظير في الماضي، إلا بقدر ما كان من النظر في صفحة وجه الماء، و انعكاس الصورة عليه، ونقل الصورة إليه، وهذه الصورة جائزة بالإجماع من هذا الوجه، لأنها على أصل الإباحة، وروي فعلها عن النبي صلى الله عليه وسلم، غير أنها لا تصح إسناداً..

فقد روى مكحول عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينتظرونه على الباب فخرج يريدهم، وفي الدار ركوة فيها ماء، فجعل ينظر في الماء ويسوي لحيته وشعره. قالت: عائشة: فقلت: يا رسول الله، وأنت تفعل هذا: قال: نعم، إذا خرج الرجل إلى إخوانه، فليهيئ من نفسه، فإن الله جميل يحب الجمال»، وهو حديث ضعيف على كل حال..

غير أن معناه صحيح، كونه على أصل الإباحة،  فلا تحريم للصورة هنا كما هو واضح في الحديث، حتى يرد ما يحرمها من نصوص أخرى، تنقلها عن أصل الإباحة لموجب خارجي من الحل إلى التحريم..

ولا وجه لتحريم غيرها من أوجه التصوير إجمالاً، لانتفاء علة التحريم عنها بالاستقراء والتتبع في غالبها اليوم، فإذا وجدت علة التحريم، وجد الحكم، قديماً كان التصوير أو حديثاً لا فرق، ولا يستثني في ذلك إلا مخطئٌ في هذه المسألة فيما أرى، أو لم يرجع إلى الأصل في العادات، أو لم يتأمل النصوص في سياقاتها..

فالتصوير؛ جائز بكل صوره وأشكاله ووسائله وأسبابه في ذاته كسائر المباحات، ولا يستثنى منه إلا ما كان محرماً، سواء كان التحريم في نفس الصورة، أو كانت مفضيةً إلى أمر محرم، كما لو كانت ذريعة للكفر أو الشرك – ذريعة مستيقنة لا مظنونة -، أو صنعت على بقصد وغاية محرمة، أو شغلت عن الصلاة ونحوها من الواجبات، كما روى أنس بن مالك  رضي الله عنه، قال: كان قرام لعائشة  سترت به جانب بيتها، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: (أميطي عنا قرامك هذا؛ فإنه لا يزال تصاويره تعرض لي في صلاتي) رواه البخاري، وعلى هذا جرت نصوص الإباحة أو التحريم في أحكام الصور، فليس الحكم على إطلاقه..

وسواء كان هذا فيما سمي تصويراً للتصوير الحديث بالآلات تنزّلاً عند هذه التسمية – إذ هي خطأٌ عند التحقيق- إلا أنه الشائع في الاستخدام اليوم؛ لأنهم يقصدون بها نقل الصورة من مكان إلى آخر، كالنظر في المرآة، أو حبسها بالتقنيات الحديثة، أو ما يسمى بحبس الظل، وهو عام في صنعة التصوير اليوم وغالبها، من ثابت و متحرك، وهذا ليس تصويرا لا بالمعنى اللغوي، ولا بالمعنى الشرعي، لأنه ليس من معاني التصوير الحبس ولا النقل، وإنما هو مصطلح تعارف عليه الناس باسم (التصوير) بالإلحاق والشبه، وهو شبيه بالصورة التي تظهر على صفحة وجه الماء، كما أشرت في أول المقال، وليس ثباتها أو حركتها بمؤثر في الحكم كما يُدّعى، فهو مناط غير معتبر، لعدم الدليل أو القياس الصحيح..

بل يدخل في الإباحة كذلك؛ التصوير بالمعنى الحقيقي اللغوي الصحيح: من الرسم أو النحت، أو المجسمات، ممتهنة كانت أو غير ممتهنة، وهو: جمع أجزاء الصورة يدوياً أو آلياً بعضها إلى بعض؛ بشتى فنونه وأنواعه وإبداعاته و جمالياته، وسواء كان بظل أو بغير ظل، فهو مما يدخل في الجواز تبعاً، بدليل النقل الصحيح، والعقل الصريح؛ كما سوف أبين..

فأما العقل الصريح: فالتصوير الحديث؛ مما نفع الله سبحانه وتعالى به الخلق نفعاً عظيماً، وامتن به عليهم امتنانا جليلاً؛ بلاشك ولا ريب.

سواء كان الأمر في حفظ أمنهم، أو نقل علومهم في الدين والدنيا وتقريبها، وتسهيل معارفهم، وتذكيرهم بحقوقهم، وتقوية صلاتهم بعضهم مع بعض، في حياتهم و بعد مماتهم..

فكم قرب التصوير من بعيد، وسهل من عسير، ونفس عن مكروب، وعلم من جاهل، وذكّر من غافل، وفسر من مجمل، وحفظ من حقوق، ومنع من جرائم، وأبرأ من ذمم، وكم أعين به على نوائب الحق والخير، وقد قيل: أن الصورة تتكلم، و رب صورة أغنت عن ألف كلمة!!

ولا ينكر هذه (المصالح) والحقائق إلا من خفي عليه ضوء الشمس نهاراً، أو كان غليظ الطبع، ضعيف العقل و الفهم، ناكراً للمعروف، مادٍ في الغفلة، عاشق للتقليد المذموم..

وليس أقل مما تراه اليوم، من تراجع أشدهم عليه تحريماً بالأمس، إقبالاً عليه اليوم وتفنناً في استخدامه وفعله وطلبه، لما رأى من مصالحه ومنافعه، وعظيم نعمة الله فيه، على مستوى الدين والدنيا، و إن الحق أبلج، والباطل لجلج، و لن يُشاد الدين أحد إلا غلبه..

وفِي الأثر: (إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها) كما في أثر ابن مسعود رضي الله عنه موقوفاً عليه عند البخاري في صحيحه وروي مرفوعاً عن النبي صلى الله عليه وسلم.

فكما كانت العلل والأدلة تتقافز بالأمس لتحريمه وتجريمه جملة، ثم انتقلوا إلى إباحة ما كان للضرورة منه درجة، في مؤشر لضعف بناء التحريم له في الحقيقة، إذ هو غلط من جهة الواقع من حيث الأساس، فليس الأمر من قبيل الضرورة أصلاً، بل هي للحاجيات والتحسينيات أقرب وأظهر، كما هو واضح لكل ذي عينين، لأن هناك ما يقوم مقامه لو أردنا – كالبصمة – ويتأكد الأمر في هذا العصر.

 واليوم تتدافع البراهين لتجويزه وتجويده جملة، كما تدافعت لتحريمه وتقبيحه بالأمس جملة، و إن كان بعض طلبة العلم لا يزال يمارس على (استحياء) الافتاء بإباحته -رغم وضوح المسألة-، وذلك من خلال التناقض بين السلوك والفتوى، وربما تحاشوا السؤال عنه وترددوا في الإجابة ؛ بحجة الخلاف المعاصر، بعد دعوى الإجماع القديم، بسبب حالة التوصيف لمعنى الصورة بين المعنى اللغوي والمعنى الشرعي، ولما جبلت عليه بعض النفوس من خوف الخروج عن المألوف، وما فيه من مشقة الرجوع عن الأقوال القديمة استنكافاً أو خجلاً أحياناً، أو بحجة الاحتياط وسد الذريعة، وكأنهم لا يخطئون في الفهم أو الفتوى، فكل شيئ له تبريره، وربما سلك بعضهم مسلك الشدة في الرد على المخالفين في هذه المسألة وغيرها من المسائل، ولو كان الحق مع من خالفهم.

 فترى اليوم التفاني في التعامل مع التصوير في كل المناسبات الدينية والدنيوية، وتعداد مصالحه وآثاره الحسية والمعنوية، كما لا يخفى، وهو الغالب حتى على المشتغلين بالعلم والدعوة، طلب لنشر الخير والإسلام بين الناس -وقد أحسنوا وبروا-، ولَم يبق إلا القليل منه الذي لا زال في دائرة التحريم عند بعضهم، دون مبرر حقيقي، إلا أن هشاشة بناء التحريم وجموده وضعفه، أمام سعة الشريعة ويسرها وشمولها وقوة بنائها و أصولها، وفقه نصوصها، أبلغ من أن يرد عليه بفهوم اجتهدت في طلب الحق ولَم تصبه، والحجة والأدلة كفيلة ببيان الحق ومكثه وإظهاره، وذهاب غيره وزواله،﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذهَبُ جُفاءً وَأَمّا ما يَنفَعُ النّاسَ فَيَمكُثُ فِي الأَرضِ كَذلِكَ يَضرِبُ اللَّهُ الأَمثالَ﴾[الرعد: ١٧]

فليس تمسك فلان وفلان برأيه وفهمه لمسألة التصوير أو غيرها من المسائل، كائناً من كان، بدليل على أن الحق في رأيه، دون قول الله وقول رسوله صلى الله عليه وسلم، مع فقه النصوص، وعدم اجتزائها من ظروفها وسياقاتها، وإن كان المجتهد من الباحثين الصادقين بعد ذلك بين الأجر والأجرين، بشرط مراعاة الأدب مع المخالف، وترك العجلة في دعوى الإجماع  في المسائل الشرعية، حتى تعطى حظها من التأمل و النظر، وقبول الآراء الأخرى، لاسيما في مثل هذه النوازل، وهذا لعمر الله من التباين الذي فطر الله عليه الخلق، وميزهم به من عقل..

فلكم تأسف على تلف الصور أقوام ركبوا موجة التحريم زمناً؛ فأدرجت الريح فيها أجمل ذكرياتهم، وأنستهم بتلفها أسعد لحظاتهم، وما ظلمهم الله، ولكن كانوا أنفسهم يظلمون، وكانوا ضحايا ما يفهمون ويقلدون، و لعل بعضهم كانوا مأجورين، والحمدلله على كل حال، ﴿قُل مَن حَرَّمَ زينَةَ اللَّهِ الَّتي أَخرَجَ لِعِبادِهِ وَالطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزقِ قُل هِيَ لِلَّذينَ آمَنوا فِي الحَياةِ الدُّنيا خالِصَةً يَومَ القِيامَةِ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الآياتِ لِقَومٍ يَعلَمونَ﴾ [الأعراف: ٣٢]

وأما النقل الصحيح: فاعلم يا رعاك الباري..أن التحليل والتحريم في الشرائع والأحكام؛ تخضع في فلسفتها لمشهدين جليلين:

المشهد الأول: النظر فيما كان عليه القوم في زمن التشريع من أحوال، وهو ما يسمى بفقه الواقع، و الذي لا تبرأ ذمة الفقيه إلا بمعرفته والوقوف عليه واستيعابه.

المشهد الثاني: فقه سياقات النصوص وعللها، سواء كان منصوصاً على علل أحكامها نصاً صريحاً ظاهراً، أو كانت تعرف بالتتبع والاستقراء من خلال النصوص الشرعية، وهنا تظهر بصمة الفقيه، وهي فرس رهانه.

وَمِمَّا استقر عند أهل الاختصاص، ثبات ما كان محرما في (ذاته)، على تحريمه فلا يتغير، وما كان مشروعا حلالاً في (ذاته)، على تشريعه وحلّه فلا يتغير، فلا يتغير حكمهما بين شريعة و أخرى، ولا بين نبي و نبي، باستثناء الضرورة العارضة، والتي يعود الحكم الأصلي بزوالها فوراً..

فالفضائل المستقرة وتعلق حكمها بذاتها، كالتوحيد، وحسن الطلب والقصد والأخلاق، والبر والإحسان، والعفو والصفح، ونحوها من القيم؛ تراها ثابتة لا تتغير بتغير الأحوال والظروف والشرائع، ولو اختلفت الوسائل، والظروف المحيطة بها..

وكذلك ما كان محرما في نفسه وذاته؛ فلا يباح في زمن دون زمن، ولا لنبي دون نبي، ولا في شريعة دون شريعة، كالشرك والظلم، والخيانة والغدر والخبث..

وأما ما كان (حكمه متغيراً)، ولَم يتعلق حكمه بذاته أصالة، وقد يكون مباحاً أو غير ذلك من الأحكام التكليفية في أصله، وإنما يتغير حكمه بالنظر إلى غيره، وما يترتب عليه من أثر وجوداً وعدماً؛ سلباً أو إيجاباً، كبيع السلاح في زمن الفتنة، وكالتبختر بين الصفوف في أرض المعركة، وبيع العنب لمن يصنعه خمراً، أو كان من الخصائص؛ كخَص أقوام به دون أقوام – فيما يسمى عند الفقهاء بأحكام الأعيان -، وذلك بتفاوت أحوالهم وظروفهم، أو كان مترددا بين الإباحة والتحريم، فتراه يباح تارة، ويحرم تارة أخرى، أو كان يختلف حكمه بين شريعة وأخرى، كأحكام شرع من قبلنا، أو ما كان ممنوعا أو مسموحا به ثم نسخ من الأحكام الشرعية العملية؛ كالنهي عن زيارة القبور، وسجود التحية؛ والتي نسخت كلها في شريعتنا، ونحوها من الأحكام المتغيرة بالنظر إلى غيرها، وما يحفها من سياقات وظروف، ومن تلك الأحكام المتغيرة، مسألة التصوير التي بين أيدينا..

فالتصوير كان جائزا مشروعاً مباحاً في زمن نبي الله سليمان عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وكان من نعم الله التي تستوجب الشكر عليها، قال تعالى:﴿يَعمَلونَ لَهُ ما يَشاءُ مِن مَحاريبَ وَتَماثيلَ وَجِفانٍ كَالجَوابِ وَقُدورٍ راسِياتٍ اعمَلوا آلَ داوودَ شُكرًا وَقَليلٌ مِن عِبادِيَ الشَّكورُ﴾ [سبأ: ١٣]

فلم تختلف شريعتنا عنها في إباحته قيد أنملة؛ متى انتفت علة التحريم فيه، وفِي المقابل فهي لا تتأخر عن تحريمه متى توفرت أسباب تحريمه، فعن عائشة رضي الله عنها قالت : قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوة تبوك أو حنين وفي سهوتها ستر فهبت ريح فكشفت ناحية الستر عن بنات لعائشة لعب فقال :(ما هذا يا عائشة ؟ ” قالت : بناتي ورأى بينهن فرسا له جناحان من رقاع فقال : ” ما هذا الذي أرى وسطهن ؟ ” قالت : فرس قال : ” وما الذي عليه ؟ ” قالت : جناحان قال : ” فرس له جناحان ؟ ” قالت : أما سمعت أن لسليمان خيلا لها أجنحة ؟ قالت : فضحك حتى رأيت نواجذه) رواه أبو داود وغيره و صححه الالباني، فلم ينكر عليها تلك العرائس، وهي أبلغ من كونها صورة، بل هي مجسمة ولها ظل.

وقد علل المالكية والشافعية والحنابلة هذا الاستثناء لصناعة اللعب بالحاجة إلى تدريبهن على أمر تربية الأولاد!

فلم يعللوا الإباحة كما عللها بعض المتأخرين خطأ وتكلفاً؛ أنها عرائس لا معالم لهم، أو أنها كانت من حشو العهن ونحوه، وأنها غير متقنة الصنعة، ونحوها مما لا يصح أن يكون مناطاً للتحريم، فلكل زمن جودة صناعاته، بما هيأه الله من أسباب وإمكانات في كل عصر، وإنما نظر علماء المالكية والشافعية والحنابلة إلى الغاية والثمرة من مثل هذه العرائس والدمى..

فلو كانت الصور محرمة لذاتها لم يستثن منها شيئ، ولم يدخل فيها قدرا من النظر والتقدير في إباحتها، وإنما هي الآراء والتعليلات، فيبقى الأمر على البراءة الأصلية، ويقتصر التحريم على ما به علة ظاهرة، مجمع عليها، غير مختلف فيها..

فعلة المضاهاة مثلاً عند المحرمين للصور؛ هي من أقوى العلل على الإطلاق لديهم -كما نص على ذلك غير واحد من أهل العلم-، وبها النص على تحريمها من أقوى التعليلات، إذ هي من التعليلات المنصوص عليها، كما في حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: (قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من سفر، وقد سترت بقرام لي على سهوة لي فيها تماثيل، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم هتكه، وقال: أشد الناس عذابا يوم القيامة الذين يضاهون بخلق الله قالت: فجعلناه وسادة أو وسادتين) رواه البخاري وغيره.

 فلو كان أمر التحريم بالمضاهاة على إطلاقه مصاحباً لكل صورة؛ لأنكر النبي صلى الله عليه وسلم على زوجه عائشة رضي الله عنها في كل المواطن دون مراعاة أي أمر آخر، يمكن أن يعرف بسياقات النصوص، كما ورد في الحديث أعلاه، ولَم يكن للشارع الحكيم ليبيح بعضاً ويحرم بعضاً ولم يستثن، وقد رأيناه استثنى مرة، وأنكر مرة صلى الله عليه وسلم، كما وقع في حديث العرائس، والخيول، فَلَو كانت علة المضاهاة في كل صورة، لأنكر عليها في أمر العرائس، لقيام علة المضاهاة فيها، بحسب هذه القاعدة ولابد، إذا هي عندهم علة في كل صورة لذوات روح!.

إذاً؛ لابد من وجود أمر آخر، يدعونا للتأمل الصحيح في الحالتين، لتستخرج منهما الحكم اللائق بهما، ومعرفة الفرق بينهما..

كان من مقتضى حكمة التحريم في صدر الإسلام وعلته للصور والتماثيل؛ هو قصد المضاهاة، بمعنى المحادة والمساواة والمشابهة، أو بقصد العبادة من باب أولى، ولذلك ورد أنهم يعذبون يوم القيامة يقال لهم:أحيوا ما خلقتم، كما صح الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة، ويقال لهم: (أحيوا ما خلقتم) رواه البخاري ومسلم، وحديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة المصورون)رواه البخاري.

ولغلبة هذا الأمر على أهل ذلك العصر الذي انتشرت فيه الوثنية، من التعلق بتلك الصور، وتعظيمها إلى حد عبادتها، وعبادة الأصنام والتماثيل والأوثان من دون الله، من وقوع معنى المضاهاة من باب أولى في صناعة تلك الصور، فوردت النصوص في تحريمها، فيحمل عموم تلك الأحاديث على مخصصاتها في ذات المسألة، من وجود علة المضاهاة التي وردت في الحديث، ومتى وجدت العلة، وجد الحكم، ومتى انتفت العلة، انتفى الحكم، وهو ما أكده حديث عائشة رضي الله عنها الأخير.

ويلحظ أيضاً في الحديث؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر على عائشة رضي الله عنها مجرد اتخاذها الصور فحسب، أو لذات تعليقها، بل أوضح لها أن وجه الإنكار عليها هو أن أصحاب هذه الصور والتماثيل قصدوا المضاهاة بصناعتها، ولعل معرفة ذلك كان عن طريق الوحي، و لعلة المضاهاة في صناعتها حرم اقتناءها من هذا الوجه، حتى لا يشارك الإنسان في الإثم باقتنائها، فنسب لمن صنعها قصد المضاهة، ولَم ينسبه إليها رضي الله عنها، لأمر علمه في تلك الصور صلى الله عليه وسلم..

 و في ذلك تربية لأمته صلى الله عليه وسلم، وسداً لذرائع الشرك فيها، فهتكها وأزالها لهذا المعنى الذي ذكره في حديثه، وهو الغالب على أهل ذلك الزمان، حيث عبدت الأصنام، وعظمت الصور من دون الله تعالى، فلا يصح المشاركة بالتعليق والأمر كذلك، فكان أشبه بحظر التجول لظروف الحرب الطارئة، والذي يرفع بانتهائها، فلا يطرد الحكم، إلا مع وجود علته.

وقد ثبت من زيارة أمهات المؤمنين لكنيسة في الحبشة‪, حيث ذكرت بعض نساء النبي صلى الله عليه وسلم كنيسة رأينها بأرض الحبشة يقال لها: (مارية)‪, وكانت أم سلمة وأم حبيبة رضي الله عنهما أتتا أرض الحبشة فذكرتا من حسنها وتصاوير فيها، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم رأسه فقال:(أولئك إذا مات منهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا، ثم صوروا فيه تلك الصورة‪,أولئك شرار الخلق عند الله) رواه البخاري.

فأنكر عليه الصلاة والسلام فعل النصارى في تصويرهم وبنائهم على القبور، ولَم ينكر على أمهات المؤمنين زيارتهن لها، رغم ما اشتهر عن تلك الكنائس، من تعليق التماثيل والتصاوير فيها، وقد نص جمهور العلماء على جواز زيارة المسلم لكنائس أهل الكتاب من غير نكير، ما لم تكن هناك فتنة عليه، وهذا أورده؛ حتى لا يقول قائل بالنسخ لهذا الحكم، أو أنه من أحكام الأعيان في تلك المسألة، فلا يشمل غيرهن!

ولو كان التحريم على إطلاقه، لم يفرق الشارع الحكيم بين إدخال الصور إلى البيوت، أو دخول البيوت التي فيها صور من الكنائس والمعابد المشتملة عليها، مما يؤكد أن هناك علة منفكة عن مجرد التعليق، أو لمجرد وجوده الصور في المكان، بل المحرم هو قصد التعظيم أو المضاهاة أو العبادة في صناعتها، ونحوها من علل التحريم المجمع عليها، وأن إنكاره صلى الله عليه وسلم إنما وقع على وجه التربية وسد الذريعة، أن يشارك أهل بيت النبوة، في صور علم صلى الله عليه وسلم أنها صنعت مضاهاة لخلق الله، لا في كل صورة كما ثبت في الأحاديث الصحيحة.

وعلى هذا تحمل جميع أحاديث النهي العامة عن التصوير، على تلك المخصصات، كحديث إن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه كلب ولا صورة، حيث فسرت الصورة هنا بالتمثال؛ كما في رواية للبخاري “ولا صورة تماثيل” وفي رواية لمسلم “ولا تماثيل”، وهو الوثن كما فسره ابن أبي ذئب، وفِي حديث أسامة ابن زيد رضي الله عنه قال دخلت مع رسول الله الكعبة، فرأى فيها تصاوير، فقال لي ابتغ لي ماء، فأتيته بماء في دلو، فجعل يبل به الثوب، ويضرب به الصور،ويقول: (قاتل الله أقواما يصورون مالا يخلقون) وهو في مجمع الزوائد، وقد رواه ابن أبي شيبة في مصنفه-، وهو ما يُبين أن هذه الصور والتماثيل إنما صنعت لعبادة غير الله تعالى..

 وهذا يصحبنا أيضاً إلى مسألة شبيهة بالمضاهاة، وهي تحريم الصور بناء على علة ما كان له روح، دون ما ليس له روح، ففيها أيضاً ضعف شديد، وتناقض ظاهر..

إذا أن الأمر لو كان كذلك؛ لم يكن هناك ثم فرق بين الشجر والبشر في الحقيقة، ولا بين غيرها من المخلوقات على الإطلاق، إذ كلها خلق لله لا فرق بينها، وجميعها له نوع حياة وروح – بعيدا عن الفلسفات التي تتكلف التفريق بين مسألة الروح والحياة-، فهو خلاف اصطلاحي مصطنع، لا أثر له على واقع المعنى وحقيقته، فلكلها روحها وحياتها الخاصة بها، ولو اختلفت في كيفيتها وصفتها بحسب كل مخلوق وما يناسبه، فلكل تسبيحه الذي يعبر به عن عبوديته لله وحياته، وذلك بنص الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبعُ وَالأَرضُ وَمَن فيهِنَّ وَإِن مِن شَيءٍ إِلّا يُسَبِّحُ بِحَمدِهِ وَلكِن لا تَفقَهونَ تَسبيحَهُم إِنَّهُ كانَ حَليمًا غَفورًا﴾[الإسراء: ٤٤]، والسماء والأرض تبكيان وتمتنعان عن البكاء ﴿فَما بَكَت عَلَيهِمُ السَّماءُ وَالأَرضُ وَما كانوا مُنظَرينَ﴾ [الدخان: ٢٩]، وحديث حنين الجذع  له صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأمي؛ وهي عند البخاري في صحيحه، فهي خلق من خلق الله، لها نوع حياة، حية تسبح بحمد الله، فالتفريق بينها في معنى المضاهاة أو ما كان له روح أو حياة، وما ليس له روح وحياة، تفريق بين متماثلات، وهو أمر لا يستقيم !.

فمن الذي جعل علة المضاهاة علة في بعض خلق الله دون بعض، أو جعل علة الحياة والروح في بعض خلق الله دون بعض، ففرق بين البشر والشجر، فقد وقع في تناقض بيّن واضح لعمر الله، ولو اختلف هذا المعنى من جهة الغيب والشهادة، فإن الله خالق كل شيئ، وهو على كل شيئ وكيل؟!

وقد حرم المحرمون تصوير ذوات الأرواح من البشر ونحوهم من ذوات الأرواح، دون الشجر والحجر والمدر من غير ذوات الأرواح زعموا، وجعلوها عللاً مؤثرة على الأول دون الثاني، وجعلوها كالأصل الثابت المطرد في الحكم على الصور والتصوير، وهذا غلط ظاهر كما قد علمت.

فإن تحريم الصور إذاً؛ إنما يكون لعلل ثابتة مجمع على عليتها وتأثيرها في الحكم، كأن يكون العلة في ذات الصورة، أو لأمر أفضى فيها ومنها إلى محرم؛ كالتي تظهر فيها العورات التي أمرنا بسترها إلا من ضرورة ، أو ما كان منها سبباً لحصول فساد أو غش أو خيانة، كصور تكشف مواقع سرية؛ عسكرية كانت أو مدنية، أوأدت إلى الجزع والاعتراض على قضاء الله وقدره في المصائب ونحو ذلك، وبذلك يستنبط حكم التحريم للصور، فلا فرق هنا بين ما كان له روح أو لم يكن له روح، إذا افضت إلى محرم..

فإن ادعي كذلك كعلة من علل تحريم صور ذوات الأرواح وقيل -وقبل تنزلاً -أن نفوس الناس أشد تعلقاً بذوات الأرواح بالمعنى المشار إليه، دون غيرها من غير ذوات الأرواح، فتكون ذات الروح ذرائع للشرك دون غيرها، ولذلك عبدت من دون الله!!، فجرى التحريم على تصويرها دون غيرها من الشجر والحجر مما ليس له روح!؟

فهذا مع ما فيه من تكلف وتوليد وفساد، مردود عليه، فإنه يرد عليه و يقال: أن غيرها من غير ذوات الأرواح عبدت أيضاً من دون الله أو مع الله سواء بسواء، وصرف لها ما يصرف لله من صنوف القربات والطاعات، سواء بسواء، من شجر وحجر، ونور وظلمة، وكواكب وشمس وقمر، وأشرك بها مع الله، فلماذا أُبيح تصويرها وحرمتم ذوات الأرواح؟!!

 وقد نطق بذلك القرآن الكريم والسنة المطهرة، فأي علة بعد أفسد من هذه العلل!؟، قال تعالى: ﴿وَمِن آياتِهِ اللَّيلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمسُ وَالقَمَرُ لا تَسجُدوا لِلشَّمسِ وَلا لِلقَمَرِ وَاسجُدوا لِلَّهِ الَّذي خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُم إِيّاهُ تَعبُدونَ﴾[فصلت: ٣٧]..

أحلال على  بلابله  النوح

حرام للطير من كل جنس

إذاً؛ لا بد من علة مستقرة، تنسحب على كل أجزاء المسألة، في حكم التصوير، تَجمع جميع مفرداتها وصورها وأشكالها فلا تضطرب، وقد بينت ذلك في طيات الإجابة باختصار ولله الحمد..

فلا تغتر أخي يا رعاك الله بنقل الإجماعات في كثير من المسائل الشرعية، دون بينة أو سند يعضدها وأصل، أو دعوى تواتر النصوص في عدد من المباحث والفواصل، وكثرة النقولات من قيل و قائل، بتوجيه النصوص بمحض الآراء والفهوم، وكثرة إيراد أسماء الرجال في المسألة الواحدة، بغير دليل قاطع، لممارسة الرهاب العلمي وإسكات المخالف، أو ركوب سوء الخلق والبذاءة مع المقارع، لردعه بالصوت لا بالحجة، وكله بفضل الله زائل!

فإنما هي اجتهادات أصحابها بين الأجر والأجرين، وربما كانت فهوم متوارثة، يشد بعضها عضد بعض، ويكرر بعضها حرف بعض، من غير عماد يستند إليه، ولا دليل قاطع يعول عليه، حتى اقتنعت العقول والفهوم بما ليس بموجود، وترهب عن طلب الحق والجواب كل طالب ومجهود، ونزّل الاجتهاد البشري؛ منزل النص المعصوم، في نقول تغرد خارج سربه، ولا تمتطي به إلا صهوة التقليد، باسم الفقه والاجتهاد في الدين، فدافعت عما نشأت عليه وتعصبت، أو اجتهدت فيه فأخطأت، وإذا جاء نهر الله، بطل نهر معقل، واللبيب بالإشارة يفهم، وكل يؤخذ منه ويرد، إلا النبي صلى الله عليه وسلم، وبعض الكلام قد يغني عن بعض، والعلم رحم بين أهله، فتنبه يا رعاك الله لذلك، والله أعلم..

حول الكاتب