20 فبراير 2017 مـ / موافق 23 جمادى الأولى, 1438 هـ


نجران تناديكم.. تشد على أياديكم!

بعد سير طويل داخل أراضٍ مقفرة غير معبدة خارج نجران، وصلت العربات العسكرية المصفحة إلى آخر نقطة حدودية سعودية تحرسها قوات حرس الحدود، وتتماس مع اليمن، كانت «النقطة» على رأس أحد الجبال الشاهقة، والوصول إليها صعبا ومرهقا، فكيف بها والقوات تعبرها عدة مرات في اليوم.

الإمكانات العسكرية والتسليحية، كبيرة وحديثة، بل ومفاجئة بالنسبة لنا نحن المدنيين، الخدمات المدنية والمعيشية أيضا كانت مدهشة، الاهتمام بتفاصيل حياة الجنود، ودعم نفسياتهم ومعنوياتهم، كان حاضرا وبقوة، بل يأخذ درجة عالية من العمل، كما أكد الضباط في الداخلية والجيش.

قال الضابط الرفيع للوفد الإعلامي الذي نظمت زيارته بامتياز وزارة الإعلام ممثلة في قناة الإخبارية، ورآنا قد استوحشنا من الموقع الذي نزوره، هل ترون الجندي المتسمر خلف النواظير الليلية، هو لا يستطيع في هذا الجبل القصي، أن يشعل نارا ولا ضوءا، ولا يتحرك إلا في أضيق الحدود وبحذر شديد، إنها معركة مع الموت والحياة، والفوز على عدو غادر.

هل تتخيلون وحشته.. أنا أقول لكم: إنها وحشة الظلام، ووحشة الجبل المقفر، ووحشة الموت، وفرقة الأهل والشهداء الذين زاملوه السلاح والقتال، ثم رحلوا «ذات بغتة» للرفيق الأعلى.

مع هذا كله يمضي الجندي ورفاقه الليل والنهار، في نفس المكان، بنفس التحفز، دون خوف أو ملل أو تشكٍ، كما يفعل كثير من المدنيين، الضابط استدرك قائلا: نحن لن نسمح لأحد بالانتصار علينا، ولو كان الثمن صعود أرواحنا جميعا.

لم يكن ذلك إلا تأكيدا للوعود التي أطلقها الأمير جلوي بن عبدالعزيز بن مساعد أمير نجران، حينما قال: نحن في نجران نعد السعوديين شعبا وقيادة، بثلاثة أمور لن نغفل عنها أبدا، أن تستمر التنمية والخدمات في مدينتنا بأعلى درجاتها، أن لا يُخترق الأمن الداخلي للمدينة، بل سنحقق فيها أمنا أفضل من الفترات التي سبقت الحرب، والوعد الأخير، أن لا يدخل أحد من الأعداء من قِبلِنا، مخترقا حدود نجران، أو داخلا على ما بعدها من المدن، ولو على أجسادنا.

في نجران تبدو الحياة عادية جدا، الشوارع مليئة بالمارة، المتسوقون يمضون نحو المتاجر دون قلق، الأسعار منخفضة، المواد التموينية متوافرة، عمال البلدية يقومون بأعمال النظافة، يشذبون الأشجار ويسقون المزروعات، المستشفيات تستقبل المرضى، المدارس مليئة بالطلاب والطالبات، المدينة ليست في حالة استنفار، ولا توجد مظاهر عسكرية، ولن تصدق أن النساء يسرن في ممشى «البلدية، برفقة أطفالهن، وهم يركضون ويلعبون، وكأنها رسالة الأرض وأهلها، لذلك الشقي الساكن في كهوف الجبال».

غريبة هذه المدينة التي ترفرف في واديها العظيم أرواح الشهداء، فرغم أن قدرها الجغرافي وضعها في مرمى الإرهاب الحوثي، إلا أنها لم تئن، ولم تهرب، لاشك أن صلابة أهلها، له تأثيره الكبير، وفعله الساحر.

نجران الصامدة «تناديكم، تشد على أياديكم»، أن يبادر المجتمع المدني والرسمي بإقامة الفعاليات والأنشطة وعقد الاجتماعات، الإحساس بالعزلة أيها السادة قد يكون رسالة سلبية، ربما يكرس صورة ذهنية خاطئة عن «مدينة الأخدود» التي تعيش حياتها البسيطة، متغافلة عن بعض منغصات الحرب الطارئة.

عكاظ

حول الكاتب