17 أغسطس 2017 مـ / موافق 25 ذو القعدة, 1438 هـ


مهارات يعمل لها الكُتَّاب ألف حساب

الكَاتِبُ الجَيَّدُ هو الذي تَكُونُ الأفكَارُ وَاضِحَةً فِي ذِهنه، ثُمَّ يَرسمُها برِيشةِ الفَنَّان عَلَى الوَرَقِ بكُلِّ وضُوحٍ واستِقَامَةٍ؛ لأنَّه يُدركُ أنَّ اللُّغةَ هي العَهدُ الذي بَينه وبَين القَارئ، فاللُّغَةُ -بكُلِّ بَسَاطَةٍ- تُشكِّلُ رمُوزًا صَوتيَّةً صَامِتَةً، تُثيرُ فِي القَارئ، أَو المُتلقّي أَشيَاء يَعرفُها، ولَكنَّهُ لَا يَستطيعُ التّعبيرَ عَنهَا، كَمَا يَفعلُ الكَاتِبُ المُتمرِّسُ..!

ذَات مَرَّة، حَاولَ أَحَدُ الطُّلَّاب أَن يَكتبَ فِكرَةً فِي رَأسهِ، ثُمَّ كَرَّرَ المُحَاولةَ مَرَّةً أُخرَى، وفِي كُلِّ مَرَّةٍ يَقعُ فِي نَفسِ الخَطَأ، حَتَّى وَصَل إلَى الأَمرِ الذي جَعلهُ يَضربُ رَأسَهُ بيَدهِ، ويُشيرُ إلَى الوَرقَةِ قَائلاً: (إنَّ الأَمرَ كُلّه هُنَا فِي الرَّأسِ، ولَا أَستَطيعُ نَثرَهُ عَلى الوَرقَةِ)..!

هَذه الفَوضَى، التي تَحْدُثُ أثنَاءَ إنزَالِ الفِكرَةِ مِن الرَّأسِ إلَى الوَرَقِ، جَعَلَت الكَاتِبَةَ القَديرةَ «جاكلين بيرك»؛ تَضعُ فِي كِتَابهَا «مَعَالِم كِتَابة المَقَالة»؛ أَربَعَ مَهَارَاتٍ رَئيسةً، يَجبُ أَنْ تَتوفَّرَ في الكَاتِبِ وهي:

1- مَهَارةٌ عَقليَّةٌ: فالكَاتِبُ لَابدَّ وأَنْ يَكونَ قَادِرًا؛ عَلى أَنْ يُفكِّرَ بوضُوحٍ، ويَضعَ أَفكَارَهُ بتَتَابُعٍ مَنطقيٍّ مُنظَّمٍ..!

2- مَهَارةٌ نَفسيَّةٌ: يَجبُ أَنْ يَشعرَ الكَاتِبُ بالحُريَّةِ والارتخَاءِ الكَافي، حَتَّى تَتحرَّكَ أَفكَارُهُ بالفِعلِ، مِن رَأسهِ إلَى الوَرَقِ، بحَيثُ لَا تَتوقَّف الكَلِمَاتُ أَو تَستَعصِي عَليهَا..!

3- مَهَارةٌ بَلاغيَّةٌ: يَجبُ أَنْ يَعرفَ الكَاتِبُ أَسَاسيَّات المِهنَةِ، والطُّرَقَ المُختَلفَةَ التي يُمكنُ أَنْ تُصَاغَ بِهَا الجُمَلُ، لتُحقِّق كِتَابةً مُنَاسبةً سَهلةَ القِرَاءَةِ..!

4- مَهارةٌ نَقديَّةٌ: بَعد أَنْ يَكتبَ الكَاتِبُ شَيئًا، لَابدَّ أَنْ يَكونَ لَديه القُدرَةُ عَلى الحُكمِ عَليه، ليَعرفَ إذَا كَانَ جَيَّدًا أَو رَديئًا، وإذَا كَان رَديئًا يَعرفُ كَيفَ يُحسِّنَهُ)..!

بَعد هَذا أَقولُ: يَا قَومِ، إنَّ الكِتَابةَ صَنْعَةٌ وفِكرٌ، أَيّ مَزج القُدرَة المَعرفيَّة مَع القُدرَة عَلى التَّفكير، لتَخرجَ الكِتَابةُ -بَعد تَزاوجهما- في أَحسَنِ تَصويرٍ، وأَجمَلِ تَعبيرٍ..!

حَسنًا.. مَاذا بَقي؟!

بَقي أَنْ نَقولَ: عَلَى الكَاتِبِ أَنْ يَجتَهدَ فِي تَبسيطِ فِكرتهِ وتَوضيحِهَا، مَع أَنَّ أَغلَبَ الكُتَّابِ يَشتَكي مِن القُرَّاءِ؛ لأنَّهم لَم يَفهموا مُرَادَه مِن كِتَابتِهِ، وفي هَذا المَعنَى تَرجمةٌ حَرْفِيَّةٌ لعِبَارةِ «طاغور»: (نَحنُ نَكتُبُ، والقُرَّاءُ يَضعُونَ المَعَانِي)..!!

المدينة

حول الكاتب