11 ديسمبر 2017 مـ / موافق 23 ربيع الأول, 1439 هـ


تغييب الطائفية للحقائق التاريخية

وقعت المجتمعات العربية في صراع مزمن بين الانظمة الثيوقراطية والثورية الشمولية، والديمقراطي الكسيحة، التي ارتبط اغلبها بالقوة والحرب والشخصية الحاكمة، ولكنها اصطدمت بواقع أممي حديث يتجاوزها، فلم تقدم المأمول لشعوبها ووقعت ممزقة بين مصالحها وبين مؤامرات لا ترحمها.

حاولت الأنظمة الثورية العسكرية أن تجتاز بدولها المشاكلات المعاصرة، ولكن المركزية والشمولية التي تغذيها جعلتها من أسوء الأنظمة في مجموعة الدول العربية، وبينما كان العقل العربي المستبشر بها يخلد في لا وعيه شخصية الحاكم المنتصر للشعب الذي لا يقهر ولا يظلم مهما سال على يديها من دماء! فقد استغل كل من يملك مصلحة في بقاء هذا العقل ضائعا -بين أساطير ماضيه وتهجين واقعه-لما يضمن له المزيد من السلطة والنفوذ.

صدام حسين أقرب الأمثلة على هذه الأنظمة التي هوت بشكل مريع مسبباً الصدمة لكل من عاش بطولاته ورعونته التي أوردت المنطقة العربية صراعاً طويلا، لقد كان لقصة نهايته ارتداداً عكسياً على أراء الملايين من العرب الذين حملوه فيما مضى أوزار شعب العراق والكويت.

نفخت الجماهير في شخص صدام سحرها الأسود حتى تحول الى طاغية مستبد ولم يعد بإمكان أحد ان يتراجع عن موقفه خوفاً من مصير أسوء من الموت، او يائسا من زوال نظامه.

في نهاية حياته استغل صدام الجانب الديني لدى الناس الذين انقطع عنهم بسبب الحصار الطويل ووظفه بذكاء، فخرج علينا في تلك المحاكمة الهزلية بصدام لا يشبه ذلك الصدام!

وقد تكون السيكولوجية العربية التي تستشرف الموت المحقق، وتخاف من قدرها بعد الموت هي من شكل ذلك السلوك.

فجمع عناصر تحبها العقول العربية وتستمتع بالندب عليها؛ القوة والتدين والموت، وغفرت له ذنوبه.

لم يعد وجود صورة لصدام في مواقع لأبناء وطني مستغربا، بل ان الكثيرين يتوجونه بألقاب العظمة والعدل لدرجة أنني راجعت تاريخه مرات عدة لأستوثق من معرفتي به!

لن يستطيع من عاش أحداث حرب الخليج الأولى ان يصنف صدام رمزاً ومنقذاً، لأنه جرب الوجه الحقيقي لنظامه الذي وضعنا في مرمى نيرانه، فهل يعقل تقديس من قاتلنا واعتدى علينا؟

وهل انعدمت ذاكرتنا حتى تسمونه بطلاً وتنشدون فيه المرثيات بعد معركة الخفجي واحتلال الكويت؟

لقد قتل رجالنا دفاعاً عن هذا الوطن بسلاحه، فماهي أبسط معاني الوفاء لتلك الدماء من وجهة نظر المعجبين به؟

وهل يعلم أجيال “الفضائيات” أنه أمطر سماؤنا بما يقارب المئة صاروخ لم يتجرأ ان يرمِ بنصفها على تل أبيب التي كان يهددها على المنابر فقط؟

ان الإعجاب الكبير بهذه الشخصية ينطلق من ظلال طائفية صرفه، عمل عليها كل نافخ كير تحت جمر الطائفية، وما لا يضعه هؤلاء في ميزانهم هو اتزان كفة جميع الطوائف في دولة نظام البعث آنذاك، ومجزرة “حلبجه” في شمال العراق تمثل شاهداً مرعباً لمصير كل مخالفيه بلا اعتبارات عقائدية، علاوة على أنها جريمة بحق مدنيين سقطوا بين بيوتهم كأوراق الشجر بفعل أسلحة ممنوعة.

ستقودنا هذه المصائب المذهبية لمزيد من الرجعية وعدم رؤية الحقائق بشكل صحيح وتعتيمها، فيتحول الطغاة الى رموز لدى أبناء الأجيال القادمة.

حول الكاتب