29 أبريل 2017 مـ / موافق 3 شعبان, 1438 هـ


حرية التعبير في مهب الارتجال!

حرية التعبير تفرضها الحياة المعاصرة، وقد صار بمقدور كل إنسان أن يعبر عن رأيه في المواقع الإلكترونية المتعددة، لكن الإشكال في مساحات هذه الحرية من مجتمع إلى آخر، ونسبية الثوابت المحرمة على المساس، فمهما كانت الحرية مكفولة، فهي حرية منضبطة لا تمس الثوابت التي يؤمن بها مجتمع ما، لكن تلك الثوابت يجب أن تكون معلومة، فبقاؤها خطوطا وهمية متأرجحة يوقع الناس في مشاكل لا يتوقعونها، تلقي بظلالها على حرية التعبير في أي مجتمع، وتُشعر الناس بالقمع والكبت.

بين آن وآخر نسمع عن إيقاف كاتب، أو حرمان متحدث من المنابر الثقافية أو الإعلامية، وغالبا ما تكون هذه الإيقافات ارتجالية من مسؤول، أو جهة قدرت أن هذا الكاتب أو المتحدث يسبح في المياه المحرمة، أو قريبا منها، فيأتي الإيقاف بمكالمة هاتفية أو خطاب سري، فيقع الإنسان في دوامة من الإحباط والشعور بالقمع والظلم، ويظل غارقا في بحر من الاستفهامات الشرسة لا إجابات لها.

أوقف رسام الكاريكاتير عبدالله جابر، وقبله أوقف الكاتب حسين بافقيه، وغيرهما ربما الكثير دون إجراءات نظامية، وفي هذا انتهاك لحقوق الكتاب، واستفزاز لمشاعر قرائهم، ولو مر الإيقاف بقنوات نظامية عادلة، لتقبل الكاتب الأمر، ولتقبله الرأي العام، فإيقاف الناس ارتجالا لا يوحي مطلقا بوعي المسؤول، بل يوحي بالقمع والتسلط، وهذا يجافي مسعى الوطن إلى الشفافية حسب رؤية 2030.

كذلك كثير من المثقفين لا يعلمون عن المنع السري لهم من المشاركات على المنابر إلا من خلال تسريبات المؤسسات الثقافية التي تعتذر منهم بعدم الموافقة على مشاركتهم من الجهات المختصة دون معرفة السبب، وفي هذا ما فيه من مرارة مؤلمة وقسوة ليست مبررة، وخلق استفهامات لدى المثقف، ولدى المؤسسة الثقافية، وربما تحاك الظنون وتختلق الأقاصيص، ولا أمرّ من ذلك إلا بقاء اسم المثقف معلقا في تلك الجهات، دون تحديد مدة الإيقاف، وكل هذا يمكن تفاديه لو كانت لدينا دوائر نظامية قضائية تفصل في هذه الإشكالات، وتمنع الارتجال.

إيقاف إنسان بقوة النظام عن ممارسة حقه الطبيعي في التعبير عن رأيه  يعد حكما قضائيا، يجب أن يمر بدوائر نظامية دقيقة، حتى يصدر الحكم العادل على الإنسان، ولا مانع من الإيقاف على ذمة التحقيق بعد استدعاء الكاتب ومساءلته، وإبلاغه بالإيقاف ومدته النظامية وأخذ التعهد عليه بعدم النشر حسب المدة المحددة للمقاضاة، ثم التحقيق في قضيته كاملة، ثم إصدار الحكم القضائي وفق مواد النظام الخاص من هيئة قضائية متخصصة، فهذا ـ في رأيي ـ أفضل من تشويه سمعة الكاتب أو المتحدث عند الجهات التي يتوقع المسؤول أن تنشر أو تتيح منابرها للكاتب أو المتحدث.

لو طبقنا هذا الإجراء بعدالة، فلن نحتاج إلى إضاعة الوقت في فحص أسماء المشاركين والمتحدثين والكتاب في كل فعالية، ولاستطاعت الجهات القضائية بناء قواعد بيانات متاحة لجهات النشر والفعاليات لفحص الأسماء برقم السجل المدني، فلكل موقوف بحكم قضائي مدة محددة، يسقط اسمه آليا من قاعدة بيانات الموقوفين فور انتهاء مدة الحكم.

حول الكاتب