16 أغسطس 2017 مـ / موافق 25 ذو القعدة, 1438 هـ


الباحثون عن معنى الحياة

في العام الماضي وصلني سؤال من شاب أنهى دراسته الجامعية العليا في الأزهر الشريف، وكان جوهر سؤاله يرتبط بالبحث عن معنى لحياته، توقفت عند السؤال ولم أستطع إجابته يومها ولكني وعدته أني سأبحث في الموضوع. هذا السؤال وصلني بأشكال عديدة وبمستويات مختلفة منها الواضح الجلي كما في هذا السؤال السابق ومنها المستتر الجزئي كما في سؤال: أي الكتب أقرأ، وكيف أبني نفسي، وكيف أكون إنساناً منتجاً.

كانت الأسئلة واحدة في مضمونها ولكن ظروف قائليها مختلفة، فمنهم الطالب الجامعي، ومنه السيدة المقيمة في بيت زوجها، ومنهم الناشط، ومنهم الأستاذ الجامعي..

لا شك في تقديري أن مثل هذا السؤال أشغل بال الكثيرين، حتى ألفت كتب وروايات مشهورة في سبيل البحث فيه وعنه؛ البحث عن معنى للحياة.

حصلت على العديد من الإشارات للإجابة على هذا السؤال في كل ما قرأته خصوصاً سير الصالحين والمصلحين والأعلام والزعماء شرقاً وغرباً، حتى شكل كل واحد منهم نسيجاً فردياً في معنى حياته.

وأبرز إشكالية كما لاحظت أن هؤلاء الباحثون عن معنى يقعون في شَرَك التقليد والمحاكاة والبحث عن نماذج تتناسب مع أوضاعهم ليقلدوها، وربما سوغوا لأنفسهم هذا الخطأ بمبرر اتخاذ القدوة!

واتخاذ القدوة غير ممكن إلا باتباع منهجية التفكير ومنظومة القيم والمبادئ وبنية عالم الأفكار، أما الشكل والهيئة والتخصص والاهتمامات ومحاولة السير على ذات الخطوات المادية الملموسة فهو عبث.

وقد لقيت أن كتاب فيكتور فرانكل “الإنسان يبحث عن المعنى” قد حدد معالم بارزة في المعنى على مستوانا الشخصي بعيداً عن التنظيرات والشعارات العامة التي استنفدها الخطاب الوعظي، فالمعنى ليس القيم أو المبادئ، وليس غايات بعيدة المدى، وليس أخلاقيات نلتزم بها، كل ذلك مهم، ويمثل إطاراً عاماً لحياتنا، ولكن المعنى هو ما يربطنا بتلك المنظومة ويحركنا نحو غايتنا العظمى “إني جاعل في الأرض خليفة”. المعنى هو أقرب إلى أهداف مرحلية نريد تحقيقها ونصبوا إلى ذلك بقوة، يقول فرانكل: “علينا أن لا نبحث عن معنى مجرد للحياة، فلكل فرد مهنته الخاصة أو رسالته الخاصة التي تفرض عليه مهاماً محددة عليه أن يقوم بتحقيقها.  وفي ذلك لا يمكن أن يحل شخص محل شخص آخر، كما أن حياته لا يمكن أن تتكرر. ومن ثم، تعتبر مهمة أي شخص في الحياة مهمة فردية مثلما تعتبر فرصته الخاصة في تحقيقها فردية كذلك.  وكل موقف في الحياة يمثل تحدياً للإنسان كما يمثل مشكلة بالنسبة له تتطلب منه أن يسعى إلى حلها”.

وبهذا فالسؤال الواجب الاهتمام به ليس ما نسأله للآخرين ليفصلوا لنا حياتنا كما يرون، وإنما هو السؤال الذي توجهه الحياة لنا، لكل واحد فينا؛ ما هو معنى حياتك أنت؟ وباختصار فإن كل إنسان يجري سؤاله بواسطة الحياة؛ وهو يستطيع أن يستجيب إلى الحياة عن طريق الإفصاح عن مسؤوليته والتعبير عنها. وهكذا، فإن “الالتزام بالمسؤولية الجوهر الحقيقي للوجود الإنساني”.

وهذه دعوة لقراءة الكتاب للمهتين بالبحث عن معنى لحياتهم، هذا أمر يجب أن يقوم به الإنسان بنفسه، بشكل منفرد ومستقل.

حول الكاتب