19 سبتمبر 2017 مـ / موافق 28 ذو الحجة, 1438 هـ


في بومباي والقاهرة .. اللي يسأل (يتوه)!

إن أول ما يتبادر لذهن الذي تطأ قدماه مدينة بومباي الهندية لأول مرة هو أنه في مدينة عالمية الهوية، مدينة تشبه أخواتها من المدن العالمية مثل لندن وهونج كونج ودبي وباريس ونيويورك.. المدن المكتظة بسكان من عدة أعراق، المدن التي تهتم بالصناعة والتجارة واستقطاب الكفاءات والأيدي العاملة من كل مكان حتى تفقد هويتها الثقافية الأساسية. ما ان تبدأ بالتجول في المدينة حتى ترى نفس شعارات المطاعم والمقاهي ومتاجر الملابس الشهيرة في المدن العالمية تملأ المكان، والجميع يحدثك بلغتك الأم مهما كانت، وأمر الطعام بسيط يسير حتى لأولائك سيئي الذوق الذين لا يستطيعون تذوق أطعمة أجنبية، لن تشعر بالغربة أبداً إن كنت معتاداً على زيارة المدن التي سيطرت على تأثيرات العولمة .. وطغيان الرأسمالية.

إلا أن اللافت والواضح هو التشابه الكبير بين مدينتي بومباي والقاهرة سواء كان ذلك في المعمار وتخطيط المدينة أو حتى في البشر أنفسهم بل وحتى في رائحة الشوارع!

المدينة مصممة لتمتد بشكل طولي من الشمال الى الجنوب بمحاذاة المحيط الهندي، وتملأ شوارعها الكباري والأنفاق التي تحيط بها بنايات قديمة من اليمين والشمال .. لا تستطيع أن تشبهها إلا ببنايات وكباري القاهرة .. وقد يكون سبب ذلك هو الاستعمار البريطاني لكلا المدينتين.

البشر بين بومباي والقاهرة أيضاً متشابهون، يقودون عرباتهم بنفس الفوضى، ولا يتوقفون عن أبداً عن إزعاج الطبيعة بأبواق السيارات المزعجة. حناطير الخيول تملأ المكان .. وعربات الخضروات والفواكه حاضرة كما القاهرة .. بل إن لدى الهنود فلافل تشبه فلافل المصريين ولكنها مليئة بالفلفل الحار.. مهلاً! هل نحن متأكدون أن الفلافل شرق أوسطية المنشأ؟ شخصياً أعتقد أن أصولها تعود للهند لا غير!

اذا أردت شراء سلعة هناك .. أي سلعة، فلن يختلف الموضوع عن القاهرة، لا بدّ من المساومة .. فالسعر الابتدائي قد يصل لأقل من ربع السعر الذي ستصل إليه بعد مساومة بسيطة!

والهنود مثل المصريين، فرغم أن لديهم (أعني المصريين) حكمةٌ تقول: “اللي يسأل ما يتوهش” إلا أن الذي يسأل في بومباي أو القاهرة يتوه فعلياً، فالجميع مستعد للإجابة على أي سؤال ولا يوجد شخص سيقول لك لا أدري أو الله أعلم!

استمعوا إلى هذا الموقف واحكموا بانفسكم، إنه موقف حصل لي في أول زياراتي للقاهرة والتي يتجسد فيها معنى: “اللي يسأل في مصر يتوه” .. وبكل وضوح ….

كنت في ال١٧ من عمري مهووساً بالموسيقى والطرب القديم، وكنت بطبيعة الحال ما زلت في مراحل استكشاف فن أم كلثوم وعبدالوهاب وفريد وسيد مكاوي وعبدالمطلب.. وبما أنني في القاهرة قررت البحث عن أفلام فيديو لهؤلاء العمالقة، واعتقدت أنني سأجد ذلك بكل سهولة ويسر وأن أي مصريّ سيدلني بسرعة على الأماكن التي سأجد فيها مرادي.. وبكل ثقة ركبت أول سيارة أجرة وشرحت له ما أريد من أفلام فيديو وفوراً قال لي نعم! سنذهب لمتجر “عزّت فيلم”، قلت له هيا بنا!

وبعد مدة أحسست بأن المشوار قد طال، وانقضت نصف ساعة ثم ساعة ثم ساعة ونصف حتى تسرّب إلي الملل والشكّ .. لكن السائق قضى على الملل والشكّ فجأة وقال وصلنا! نظرت بجانبي فوجدّت متجر عزت فيلم فعلاً، أعطيت السائق أجرته وركضت ركضاً للمتجر .. وما إن دخلت حتى كانت أول صدمة وفاجعة لي في القاهرة …..

لقد وجدت نفسي في متجر لتحميض وبيع أفلام كاميرات التصوير.

حول الكاتب