20 سبتمبر 2017 مـ / موافق 29 ذو الحجة, 1438 هـ


جزيرة الكنز .. قطر

قطر كانت في صدارة المشهد وقت الربيع العربي المزعوم عن طريق قناة الجزيرة وطواقمها من المراسلين الذين كانوا يشكلون كتائب إعلامية لا تقل أهمية وقوة عن الكتائب العسكرية ولعبت دوراً مهماً في تهييج الشارع العربي ودفعه للخروج للشوارع والانقلاب على قياداته .. كلنا شاهدنا ذلك ولا مجال لإنكاره .. في تونس ظلت تردد تلك العبارة الشهيرة ” هرمنا من أجل هذه اللحظة ” وهي تظهر ذلك المسن الذي طُبعت صورته في أدمغة الجماهير العربية وكأنها كانت تريد إخبارنا بأن عليكم الخروج في شبابكم قبل أن ترددوها بعد ضياع العمر يا ولدي .. وفي ليبيا لم يكن دورها بأقل أهمية فظهرت في طليعة المشهد وكأنها اعلام رسمي يرافق الغوغائيين يشبه اعلام الحروب الذي جسدته الـ CNN والـ FOX NEWS في أوج تألقها .

كانت تمارس دورها التحريضي وقيادة الاضطرابات علناً وتفاخر بذلك في برامجها ومنتدياتها الحوارية باستضافتها للطغاة الجدد المتعطشين للسلطة والذين لم يكن في تفكيرهم ولا في أبجديات جماعاتهم إرضاء هذه الجموع الثائرة بل كانت تسعى لتوظيفهم خدمة لأجنداتها الشخصية للوصول لكرسي الحكم والتخلص منهم بعد ذلك والانقلاب على كل المبادئ والمثل التي خرجوا من أجلها وجعلهم وقوداً مستهلكاً لتنفيذ استراتيجياتها ..

الجزيرة كانت هي الأداة المعلنة لفعل كل ذلك وأكثر وأنا هنا لا أتحدث عما يدار في المكاتب المغلقة فما خفي بالتأكيد كان أعظم .. في مصر كان لها الحضور الأبرز فهي الصوت الحقيقي لجماعة الإخوان المسلمين ــ الأبرز هناك ــ وروجت كثيراً لها في العقود الماضية من خلال برامجها ومذيعيها المنتمين للجماعة .. سوقت لها وجعلتها البديل الجيد للخلاص من الأنظمة العربية الحاكمة التي صورتها على أنها أنظمة عميلة للغرب ويجب التخلص منها واستبدالها بجماعة الإخوان المسلمين التي لم تكن تقل دموية عن أي نظام قمعي تاريخي فقد شاهدنا صنيعها بالمناهضين لحركة حماس في غزة من أصحاب التوجهات الإسلامية الذين اختلفوا معها فقط في طريقة المقاومة عندما قتلتهم دون رحمة وحرقت عليهم مساجدهم ورفضت أن يكون غيرها في المشهد دون النظر لما يعتنقون من فكر أو ما يحملون من مشروع سياسي وتنموي أو حتى فكر مقاومة فهم كانوا معلنينها صراحة بأن الحق ما وافق جماعتهم والباطل كل ما كان غير ذلك ..

مع ذلك لم تنقل الجزيرة هذه الصورة القاتمة وأخفتها تماماً وأظهرتهم بأحلى حلة وهي توقف البث على تجمعاتهم في رابعة العدوية وتنقل صلاتهم وصيامهم وقيامهم وأدمعهم وكل العبث الذي كانوا يمارسونه بعد ذلك وهي لم تفعل ذلك حتى مع الحرمين الشريفين في تاريخها .. حتى كان ما كان وأنقلب السحر على الساحر وخرجت تلك الثورات عن اطارها الأخلاقي وعمت الفوضى في كل مكان ووصلنا للخريف العربي الذي كان أشد قساوة مما كنا نتخيل ودخلنا في هذا النفق المظلم الذي لا نعرف كيف الخلاص منه في سوريا والعراق وليبيا واليمن وأصبحت كل الجموع العربية الناضجة والعاقلة تنقُم على الربيع العربي وتنقُم على كل من دعمه وتتمنى الخلاص منه بأي وسيلة ..

ولأن لحظة الحقيقة قادمة والمحاسبة على كل ذلك العبث لابد أن تأتي ولا يمكن الهروب منها كان على قطر أن تعترف بكل ذلك وهي قد شعرت بالجريمة التي ارتكبتها في حق الشعوب العربية وأنظمتها الحاكمة ولكنها احتالت للهروب من الاستحقاقات المستقبلية بتغيير الوجوه فقط باستبدال تميم بدلاً من حمد وإبقاء ذات السياسة وإن بصوت خافت لضرورات المرحلة حتى تعود مرة أخرى لخدمة توجهاتها وأجندتها الخاصة متى ما سنحت الفرصة ..

قطر لم تدرك أن الشعوب العربية لم تصل بعد للنضوج والرقي الذي يسمح لها بصناعة مستقبلها بالطريقة التي تريدها ولم تفطن أننا نعيش جاهلية القرن الواحد والعشرين والتي لا تقل ضراوة عن الجاهلية الأولى ولن ينتج عنها سوى حروب تشبه حرب داحس والغبراء ..

قطر أو جزيرة الكنز كان عليها بعد أن أيقنت بكل ذلك أن تعود عن غيها وتعتذر عن كل ما بدر منها وتقدم ما يشفع بقبولها مرة أخرى بدل المراوغة واتباع أسلوب تقبيل الأيادي في العلن والركل من الخلف فالجميع حكاماً ومحكومين لم يعودوا يستسيغون هذا الأسلوب الإخواني البغيض وحتى يحين ذلك ستبقى الأزمة قادمة مالم يتدخل العقلاء من الطرفين للاتفاق على حل وسط يرضي جميع الأطراف فالأمة لم تعد قادرة على احتمال كل ما يحدث في وقت نرى الأعداء يتربصون بها من كل الاتجاهات وينتظرون اللحظة المناسبة للانقضاض عليها كما ينقض الذئب الجائع على الغنم .

البلاد

حول الكاتب