23 نوفمبر 2017 مـ / موافق 5 ربيع الأول, 1439 هـ


الهند.. مليشيات وطائفية؟

مثلت الهند – أكبرديمقراطية في العالم- ولاتزال، للعديد من المؤرخين والمراقبين نموذجا فريد للتعايش بين ملايين من البشر من كل الديانات والعقائد والأعراق واللغات المختلفة منذ استقلالها في عام 1947حتى اليوم الذي تحيي فيه عيد استقلالها السبعين عن الاستعمار البريطاني. عيد هذا العام يختلف عن ما سبقه من أعياد. صحيح أن أفراحاً شعبية ورسمية أقيمت في الخامس عشر من أغسطس الماضي احتفالاً بهذه المناسبة العظيمة، لكن قلقاً عميقاً ومخاوف مبررة لدى قطاعات واسعة من ملايين الهنود نغصت أجواء تلك المناسبة التي كانت مناسبة عزيزة على كل الطوائف والأعراق الهندية. ذلك أن الهند ومنذ العام 2014عام وصول حزب جاناتا ذو الأصول والتوجهات الهندوسية المتشددة برئاسة ناراندان مودي إلى السلطة، والهند تعيش اضطرابات عنصرية ضحيتها المسلمون والمسيحيون. صحيح أن النظام السياسي بكل مكوناته الدستورية لم يمس رسمياً لكن التعديات على المكونات الاجتماعية غير الهندوسية بدأت في السنتين الأخيرتين تأخذ شكلاً متصاعدا بشهادة وسائل الإعلام الهندية وبشهادة شخصيات بارزة هندوسية في حزب المؤتمرالمعارض حزب المهاتما غاندي المؤسس على التعايش السلمي بين كل الهنود بغض عن اختلافاتهم العرقية والاعتقادية. اليوم تتفاقم التعديات بحجج واهية على المسلمين وتقوم مليشيات هندوسية متطرفة بعمليات جلد في الشوارع وقتل لأفراد عزل بتهمة أكل لحوم البقر المقدس. المثير أن هذه المليشيات تمارس جرائمها أمام عدسات التصوير المحلية والعالمية وأمام انظار رجال الشرطة الذين لا يحركون ساكناً. هذه التعديات لا تقتصر على المسلمين، بل يتعرض المسيحيون- وإن بشكل أقل وحشية لنفس التعديات والجلد أيضا. لذلك، وبالرغم من الاستقبالات البروتوكولية الفارهة والاستعراضية للرئيس الهندي ناراندان مودي في العواصم الغربية، إلا أنه في كل عاصمة تتكرر احتجاجات هذه العواصم على نوازع العنصرية والجرائم المرتكبة بحق المسيحيين في بلاده. الجدير بالإشارة أن الرئيس مودي في كل مرة تطرح عليه أسئلة من وسائل الإعلام الهندية حول مايجري، يلتزم الصمت أو يعلق بأن تلك.. تفاصيل. أزعم أن مايقوله الرئيس صحيح بالرغم من أن وجدانه قد يذهب إلى شيء آخر له علاقه ببداياته في السياسة عندما كان ناشطاً في أذرع الحزب المتطرفة. ذلك، لأن الأغلبية الساحقة من مسلمي الهند وبالرغم من كل ما مروا به من مآس ومظالم بدأت مع كارثة التقسيم وما جرى بها من قتل وتشريد ووصولاً إلى ماتعرضت له أماكن عبادتهم على يد متطرفين هندوس، لن ينسوا أن من اغتال غاندي – الأب الروحي لكل الهنود- كان هندوسيا متطرفاً. ذلك الحدث الجلل، وعلى عكس ماكان متوقع، ساعد مبادئ الأخوة الإنسانية على احتواء آلام كل الهنود في ظل دولة القانون والحق على مدى سبعين عاماً. طرحت تخوفاتي وقلقي على صديقي الهندي المسلم إلياس فأكد لي صحة ما يحدث مضيفاً الكثير من المآسي. وعندما ذكرته بتمجيده للرئيس ناراندان مودي حول توجهاته الإصلاحية الغير مسبوقة في المجالين الاقتصادي والاجتماعي لمصلحة الهند والفئات المهمشة، قال لي لا تحزن فما يحدث اليوم “تفاصيل” مرت على الهنود ولن يضحوا بالهند بسببها بغض النظر عما سيلحق بهم من أضرار لا يقرها لا الدستور ولا حكمة الهنود. انظر إلى ما يقوله أعضاء حزب المؤتمر ذو الأكثرية الهندوسية ضد سياسات حزب جانتا الحاكم اليوم والذي سيكون في المعارضة في يوم وربما ساهم عقلاؤه في تصويب مجرى العدالة.

حول الكاتب