11 ديسمبر 2017 مـ / موافق 24 ربيع الأول, 1439 هـ


البابا فرنسيس.. فرصةٌ من ذهب

مذ جاء للكرسي البابوي في روما عام 2013؛ يحاول بابا الفاتيكان فرنسيس إعطاء العالم صورة جديدة عن الكنيسة الكاثوليكية، وما انفك يذهلنا بمواقفه الإيجابية من الإسلام وقضاياه، بما لم يفعله أي بابا للفاتيكان من قبل، ولذلك وصفت الرجل في عنوان المقالة بأنه فرصة من ذهب.

في عز الهجوم على الإسلام من قبل الإعلام الغربي والعالمي، وعقب كل حادثة تفجير تتبناها “داعش” الخرقاء؛ ينبري البابا فرنسيس، وينفي عن الإسلام تهمة الإرهاب، ويصدح في منابر الإعلام الغربي -بكل شجاعة- إلى أنه ليس هناك دين إرهابي، وأن الأصوليات توجد في جميع الأديان وحتى في قلب المسيحية. وقال الرجل نصا: «أكرر بقوة إنه ليس هناك دين إرهابي، وأن العنف تدنيس لاسم الله»، وأردف: «علينا ألا نكلّ أبداً من تكرار أن اسم الله لا يمكنه تبرير العنف مطلقاً، السلام وحده مقدس وليس الحرب».

في حديثه لمجلة «TERTIO» الكاثوليكية البلجيكية، ذكر البابا فرنسيس أن «لكل الأديان جماعات أصولية حتى المسيحية، وهذه الجماعات تباشر التدمير، بدءاً من أصوليتها، لكنها جماعات دينية صغيرة، أصابت دياناتها بالمرض»، وشدد البابا على أنه ليس هناك دين يمكنه إثارة الحرب بحد ذاته، فلا يمكن إشعال فتيل الحرب وفقاً لأي دين، وبالتالي فإن الإرهاب والحرب لا علاقة لهما بالدين، بل إنهما يستخدمان تشوهات دينية لتبرير أعمالهما. كان حديث البابا هذا أثناء عودته من تركيا واضحاً لا يقبل اللبس: الإسلام لا يعني الإرهاب.

لا نملك إلا أن نثمن هذه الوقفة من رأس الكنيسة الكاثوليكية، وقبل أن يرفع صبي غرّ أو طالب علم متحجر عقيرته بالولاء والبراء، نسوق له ثناء نبينا محمد صلى الله عليه وسلم للنجاشي وهو على الكفر، وإن لم نتواصل مع رجل مثل هذا الذي أنصفنا أمام العالم، في وقت نحن بمسيس الحاجة لوقفته وصوته، عبر ترؤسه لكنيسة يتبعها حوالي 1.13 مليار إنسان، بما يمثل نصف مسيحيي الكون؛ إذن لعدمنا الكياسة والحكمة بل وفقه الدين ومصالحه.

البابا فرنسيس وقف مع حجاب المرأة المسلمة، وقال في حديث صحفي لجريدة “لاكرو” الفرنسية أن من حق المرأة المسلمة ارتداء الحجاب في أي مكان في العالم، لأن ذلك يعتبر في نطاق الحرية الشخصية، فكما يحق للمسيحي ارتداء الصليب؛ يحق أيضاً للمرأة المسلمة اتباع تعاليم دينها.

لست مسوّقا هنا للرجل، ولكن هاته المواقف الصريحة والقوية منه تجاه قضايا المسلمين، تجعل من إعلامي مثلي ينادي ويؤكد على ضرورة الدعم المطلق والتواصل مع رجل مرن ومنصف، فهو الذي نادى كل كنيسة وأبرشية وكل مجتمع ديني في أوروبا لاستضافة عائلة سورية بدءا من أبرشيته في روما، وطالب جميع مسيحيي العالم بإعلان يوم كامل للصلاة والصوم من أجل أن يحمي الله اللاجئين السوريين.  

ولم يكتف بهذا، فحتى محنة إخواننا مسلمي “الروهنجينا”، وقف معهم بقوة، وقال: «إنهم يعذبون ويقتلون لا لشيء سوى لدينهم وثقافتهم»، وخلال خطابه الأسبوعي قال: «لقد طردوا من ميانمار ورحلوا من مكان إلى آخر بسبب أنه لا أحد يريدهم، إنهم طيبون، ومسالمون. إنهم ليسوا مسيحيين، إنهم طيبون، إنهم إخواننا وأخواتنا».

عندما عدت أقرأ في تاريخ البابا فرنسيس، ألفيت أن اسمه قبل البابوية «خورخي ماريو بيرغوليو» من «بوينس آيرس» في الأرجنتين، وإن كانت جذوره العائلية تعود إلى إيطاليا، وهو البابا الأول من أميركا اللاتينية، ويشغل رقم 266 في تاريخ باباوات الفاتيكان، وقبل دخوله السلك الكهنوتي درس الكيمياء، ويحمل شهادة الدكتوراه في علوم اللاهوت من جامعة “فرايبورغ” في ألمانيا، وقد عمل مدرساً للأدب وعلم النفس في كلية المخلص في جامعة “بوينس آيرس”.

أما سبب اختياره اسم فرنسيس، فصحيفة “التلغراف” تجيبنا بقولها: “إن اختيار البابا لاسم فرنسيس بالذات يكشف عن الخلفية التي جاء منها، وطريقته المتوقعة لإدارة الكنيسة ولكنه في الوقت ذاته صعّب من مهمته في المرحلة المقبلة، إذ يعرف القديس فرنسيس، الذي بزغ اسمه في القرن الثالث عشر بأنه كان من أتباع التيار الإصلاحي في الكنيسة، وقد ترك حياة الترف واختار حياة الزهد تاركًا عائلته وأصدقاءه، وبدأ بالدعوة إلى مساعدة الفقراء ونادى بإعادة بناء الكنيسة”.

وكتب عنه بعض القريبين بأنه من لحظة اختياره بابا؛ يرفض فرنسيس الإقامة في السكن الفاخر المخصص تقليدياً للباباوات، في القصر الرسولي، وفضل الإقامة في غرفتين متواضعتين في نزل “سانتا ماريا”، ولم يبدل صليبه الفضي المتواضع بآخر من الذهب، عطفاً على رفضه استخدام السيارات المصفحة، والتي تؤمن له حياته، والرجل يغافل كثيراً حراسه ويمضي في ليالي “روما” يوزع الصدقات بنفسه على الفقراء، ناهيك عن فتح أبواب الفاتيكان للمشردين في الليالي الباردة.

بسبب مواقفه الجريئة وخروجه عن نمط الكنيسة التقليدي، وصمه معارضوه بأنه “كافر”، وقال به مجموعة من الكرادلة في الفاتيكان الذين يعارضون سياسة الانفتاح السياسي والاجتماعي للبابا فرانسيس، وهي معارضة تشترك فيها حتى الحركات القومية المتطرفة في أوروبا مثل الجبهة الوطنية في فرنسا ورابطة الشمال في إيطاليا.

زهير الواسيني الذي يكتب بشكل رسمي في جريدة “الفاتيكان” يقول إن “ما يحدث يعتبر منعطفا شائكا، لأن بعض كرادلة الفاتيكان وإن كان عددهم محدودا؛ يبرز مؤشرات خلاف عميق خاصة مع وجود كرادلة من حجم سكولا يتحفظون على بعض قرارات البابا”. ويضيف الواسيني: “البابا يريد الانفتاح، لهذا لديه أفكار إيجابية عن القضايا الدولية مثل حثّ الغرب والكاثوليكيين على استقبال المهاجرين والفصل بين الإسلام والإرهاب ، وهذا يجعله يتعرض لانتقادات لا تصدر فقط عن بعض الكرادلة، بل من طرف حركات متطرفة في أوروبا”.

البابا زار القاهرة العام الفارط، وكان أول بابا يطأ الأزهر، وأحدثت زيارته دويا كبيرا وصدى عالميا، وزار إسطنبول قبلها، ودخل مسجد السلطان أحمد،  وزاره في الفاتيكان الأسبوع الماضي معالي الشيخ محمد العيسى أمين عام رابطة العالم الإسلامي، في خطوة موفقة، مصدرا بيانا بشكر البابا على مواقفه الإيجابية من الإسلام، ونفي الإرهاب عنه، ما يجعلني هنا أن أطالب بدعوة البابا لزيارة الرياض تقديرا لهاته المواقف، ودعما له للاستمرار في طريق الإصلاح الذي ينتهجه، فضلا عن إعطاء العالم صورة بلادنا المنفتح الداعي للسلام والعدل والتسامح، ولو تمت مثل هذه الزيارة لرجل يستحق أن نحتفي به لمواقفه من الإسلام؛ إذن لأرينا العالم تسامحنا وقطعنا ألسنة كل من يتهمنا بالتشدد والتطرف، واستثمرنا ذلك سياسيا.

البابا فرنسيس فرصة من ذهب للمسلمين، والرجل به عدلٌ وانصاف، ومن الضروري التواصل معه في مشتركات الرسالات السماوية، لما يخدم العالم في تعميم خطاب التسامح والسلام.

حول الكاتب