11 ديسمبر 2017 مـ / موافق 23 ربيع الأول, 1439 هـ


طلاء .. الهواء

من أكبر معطلات الابداع وتوقف الانتاجية ؛ الانشغال بآراء الأخرين وتقييم تجربتنا الحياتية بناءً عليها فيصبح همنا الأوحد ما نتعرض له من اهمال وتهميش واقصاء أو ظلم وازدراء واستنقاص وسخرية أو تعدي على الحقوق أو حتى تمجيد وتعظيم واستحسان.

يستنزف هذا الأمر جزءاً كبيراً من وقتنا نصرفه في التعاطي مع هذه السلوكيات الإنسانية التي لا تخضع لمقاييس محددة ولا يمكن الهيمنة عليها وتعديل اتجاهاتها مهما سخرنا لها من جهد ، ويستحيل الوثوق في التقييمات المرهونة بها متناسيين أنها تخص أصحابها بالدرجة الأولى ولا يطالنا منها شيئاً إلا إذا نجحت في ايقافنا عن تحقيق أهدافنا وعطلت مسيرتنا وقد يكون هذا هدفها الأسمى فنحقق لمن ينتهجونها  مبتغاهم.

يقع أغلبنا في هذا المنزلق فلا نكتشف حجم الخديعة التي مورست علينا إلا بعد انقضاء العمر وتندُمنا على إهدارنا لأجمل سنينه في ممارسات لا طائل منها استنزفت جهدنا ووقتنا دون أي نتيجة تذكر فلا هم توقفوا عن استفزازنا ولا نحن تجاهلناهم ومضينا في طريقنا ، ولم نجنِ سوى اخضاع حياتنا بالكلية لهم وتركهم يوجهونها بالاتجاه الذي يريدونه في وقت ربما ساروا هم في بناء حياتهم بطريقتهم وحققوا الكثير من النجاحات التي ينشدونها بعيداً عنا.

كان علينا النظر للأدوات التي يمتلكونها قبل التوقف عند أحكامهم فقد يكونوا غير مؤهلين لمعرفة قيمة ما نملك وهو الأمر الذي يحدث كثيراً خاصة وأحكام البشر ليست مطلقة وتخضع لهذه الأدوات التي قد لا تكون صائبة وربما خالطها كثير من الأبعاد السلوكية السيئة كالغيرة والحسد والحقد والأمراض النفسية الظاهر منها والخفي ناهيك عن الفقر الفكري والضحالة المعرفية الملازمة للبعض مما يجعل تقييماتهم لا يعتد بها ومن الغباء النظر لأنفسنا من خلالهم.

كان الأجدر بنا أيضاً معرفة أن المبدعين والفلاسفة والمفكرين عموماً وعلى مر الأزمان يسبقون في فكرهم وثقافتهم مجتمعاتهم فيجدون التجاهل والصدود عن أطروحاتهم وربما الاحتقار والتصدي لهم لأن من حولهم لم يصلوا بعد لمستوى ابداعاتهم ولعل في كتب التاريخ ما يؤكد ذلك فأغلب العظماء وصناع الحياة لم يُعرف فضلهم إلا بعد قرون من وفاتهم ، وأصبح الظلم الذي طالهم والممارسات الخاطئة التي ارتكبت في حقهم ؛ وصمت عار أظهرت تخلف تلك المجتمعات في موازاة تميز وابداع اولئك المجددون ، فهل كانوا سيصلون لأهدافهم لو أشغلوا أنفسهم بالمتخلفين من حولهم؟!!

خلاصة القول .. علينا المضي قدماً في مشاريعنا الحياتية وتجويدها بالطرق الصحيحة والاستجابة للنقد الهادف والصادق ممن يمتلكون أدواته دون الارتهان لزيف مجتمعاتنا وإلا سنكتشف لاحقاً أننا لا نختلف كثيراً عمن أفنى عمره وكرس جهده لابتكار طريقة ينجح بها في طلاء الهواء ارضاءً لهم.

حول الكاتب