22 نوفمبر 2017 مـ / موافق 5 ربيع الأول, 1439 هـ


“خاشقجي” وصناعة الأعمال القذرة

خلال 20 عاما لم ينتقل جمال خاشقجي من مبدأ إلى مبدأ ولا من تيار إلى تيار فقط، بل انتقل من صناعة الكوابيس ضمن تيار التطرف إلى صناعة الخديعة الكبرى ضد وطنه «السابق»، تلك الخديعة التي يسوقها عبر وسائل الإعلام الأمريكية بعدما يئس من بيعها للمكونات الاجتماعية والمثقفة في المملكة والعالم العربي.

جمال طريد جبال الأفغان التي قال عنها يوما ما إنها بلاد «الأفيون»، كان هائما بتلك الجبال وما احتوته، وما زال يتغنى بها وبمنتجاتها، وكأنه لا يزال مدمنا لها غير قادر على الانفكاك منها ولا من تبعاتها.

تصدر جمال مشهد الربيع العربي كما الكثير من شبيبة الإخوان، منافحا عن أبناء عشيرته «الإخونج» تحديدا، لم يدافع عن تيارات الوسط ولا أي أفكار أخرى، فقط ما يمكنهم من الوصول للكراسي لامس عقله وجيبه واستنفر كل طاقاته ومكره.

خاشقجي رئيس تحرير الوطن السابق، الذي كان يترك عمله كل أسبوعين في رحلة «مشبوهة ومريبة» لأسطنبول وبرلين، أثارت كثيرا من أسئلة زملائه داخل الصحيفة، إلا أنه كان يقضي عليها بكثير من المراوغة وقليل من الحقيقة، اليوم يثير خاشقجي الشفقة ويطلب الإحسان من عاصمة الإرهاب الدوحة ومن عاصمة الأمريكان.

لعل الكثير لا يعرفون أن جمال بعدما عاد من أفغانستان بداية التسعينات إثر فشل مشروع الإخوان هناك، وعمل في شركة تهامة للإعلام والإعلان كان مجرد «متطرف» يطالب بإحراق محلات الفيديو والإصدارات المرئية التي تنتجها وتبيعها تهامة عبر مكتباتها بالمدن السعودية.

بالأمس كتب جمال مقالا في صحيفة الواشنطن بوست، صنع فيه شيئا من الكوابيس التي روج لها طويلا، ولعلنا نؤكد أن جمال لم يكن ليكتب في هذه الصحيفة، لولا إنه عمل مستشارا إعلاميا للسفارة في واشنطن، الأمر الذي مكنه من أن يستغل إمكاناتها لتحقيق مصالحه.

يقول جمال في مقاله التحريضي، وهو ليس الأول على أي حال، فقد سبق وكتب مقالات عدة في الصحافة السعودية ولم يؤذ بسببها، يتهم فيها التفكير الديني السائد بأنه وراء قضايا ملتبسة ثبت فيما بعد أن المتسبب فيها الإخوان، ولا أدل من محاولته إلصاق تهمة «داعش» للمملكة، في حين أن شيخه يوسف القرضاوي، قال إن أبو بكر البغدادي زعيم داعش هو أحد مخرجات تنظيم الإخوان المسلمين.

يحلو لجمال التلاعب بالقارئ الغربي المغيب عن واقع الحال في السعودية، فهو يتباكى على الحريات المسكوبة كما يدعي، وفي الوقت نفسه يطالب بالحجر على آراء المدرسة السلفية السعودية المتعددة والتي تنتمي لأطياف مختلفة، ويحدد شخصيات بعينها كالشيخين صالح اللحيدان وصالح الفوزان، وهو يعلم أن هذين الشيخين الكريمين مثل كثيرين يعبرون أحيانا عن رؤيتهم الخاصة في قضايا معينة بما يخالف الدولة، حتى أنهم يخالفون بعضهم البعض، لكنهم وعبر المؤسسات الرسمية كهيئة كبار العلماء لا يعبرون إلا عن رأي الجهة التي يمثلونها ويمثلون توجهاتها نحو إسلام وسطي معتدل.

كما أن هيئة كبار العلماء بما فيها الشيخان دعمت كل المشاريع الدولية التي تبنتها الدولة كحوار الأديان، وكل مبادرات التطوير والنهضة التي تعمل عليها الرياض.

عاش جمال مثل كثير من المتلونين يدفعون الدولة دفعا نحو رفض التغيير وتمدين المجتمع، وما الثمانينات والتسعينات وبداية الألفية ببعيدة، فقد كان جمال طوال 25 عاما على يمين اليمين.

بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر وجد جمال بانتهازيته المعروفة الفرصة سانحة للقفز من سفينة التطرف إلى سفينة الحكومة المعتدلة، فعمل مستشارا في سفارة المملكة بلندن وأمريكا، حينها لبس رداء الليبرالي المنخرط في مشروع التحديث، لماذا.. لأنه أراد تقديم نفسه للغرب كليبرالي متحرر ويخدعهم بثوبه الجديد.

اليوم، يلوم جمال نفس الدولة التي عمل معها عندما تقوم بالتحديث، مثل خاشقجي كثير معادلتهم تقوم على إبقاء «السعودية» رهينة لهم، إما تقيم مشاريعها من خلالهم وعبرهم وإما يحاربونها ويؤلبون الدنيا ضدها، إنها ثقافة الإخوان الوسطية التي يتباهى بها جمال.

ضمن تكتيكات الإخوان المسلمين، عادة ما يستخدمون انتحاريا يقوم بـ «Dirty business» أو الأعمال القذرة، وهو ما يقوم جمال بتنفيذه عند تناول الشأن السعودي، هو متيقن أن الجماعة ستكافئه مقابلا مجزيا من خلال وزير ماليتهم يوسف ندا.

السؤال المهم.. كيف يدافع جمال عن أفراد حكم عليهم في قضايا نظر فيها القضاء مثل قضية «صديقه» موسى القرني، وهو المحكوم في قضية جنائية نظرت خلال ترؤس جمال رئاسة صحيفة الوطن، حينها كان جمال يتقاضى راتبا مرتفعا جدا ويعيش مقربا من أصحاب النفوذ، إيه يا جمال عن أي صداقة تتحدث وعن أي عدالة تنظر لها أين كانت وقتها، أليست أحكام القضاء قاطعة خاصة إذا أخذت كل درجات التقاضي بما فيها الاستئناف.

هل يعرف الأمريكان أن صديق جمال خاشقجي مدان وحكم عليه في قضية تشكيل خلية، بعض أعضائها مدانون بتمويل الزرقاوي قاتل الأمريكان في العراق.

لماذا لم يقل جمال إن جهيمان وزمرته من المتطرفين هم نتاج المدرسة القطبية الإخونجية بفرعيها في المدينة المنورة – حيث كان يعيش خاشقجي – والكويت، وإن رسائل جهيمان وكتب المدرسة التي يؤمن بها كانت تمول من إخوان الكويت وتطبع على حسابهم في مطابع كويتية.

يقول خاشقجي إن الأمير محمد بن سلمان محق في محاربة هذا الفكر المتطرف، لكنه يذهب إلى الناس الخطأ، جمال لم يدافع طوال حياته في السعودية عن حقوق المرأة ولا كتاب الرأي الذين تعرضوا لاضطهاده الشخصي عندما كانوا يخالفون رأيه ويمنع نشر مقالاتهم، هل نسينا الدكتور محمد الهرفي، رحمه الله، وعن مر شكواه من جمال، الآن يدافع فقط عن حق جماعة الإخوان في السعودية، المصنفة كجماعة إرهابية للتآمر ضد بلدها والتخابر مع جهات أجنبية.

عكاظ

حول الكاتب