11 ديسمبر 2017 مـ / موافق 23 ربيع الأول, 1439 هـ


الحبشة؛ أبيسينيا*؛ إثيوپيا

بلاد الأحباش لها تاريخ خاص بالنسبة لنا.. منذ و قبل و بعد القرن السابع الميلادي/ القرن الأول ق.هـ/قبل.الهجرة. فلقد كانت للنبي (ص) بمكة قريش و خلال حكومتها علاقات تليدة مع الحبشة. كما و لقد جاء في الأثر أن ولادته كانت خلال حكم الأحباش لليمن و عسير، بل تم ضبط تأريخ ميلاده بذات عام احتلال ابرهة الحبشي لعاصمة قريش، مكة.

و مع توالي تسيير قوافل التجارة؛ فقد امكنه ترتيب إلتجاء و نصرة اتباعه و ايواء الملك الحبشي النجاشي لهم، مرتين.

و ختاماً بقيامه (ص) بالصلاة على ذلك الملك المسيحي الأرثـُذكسي -صلاة الميت الغائب- بمسجده بالمدينة.

و لفظة ‘أُرثــُدُكس’ تعني: الدين الحقيقي و القويم و المعتقد الخالص. و حدّثني احد الإثيوپيين بموفور الفخر بأن الأُرثـُذكسية مركزها الحبشة.. لكنها منتشرة في سوريا و روسيا و ارمينيا و مصر.

(علماً بأنّ أقباط مصر يعتبرون باباهم رأسَ الكنيسة القبطية (:الأُرثـُذكسية) لـ’سائر افريقيا’، و ما وراء البحار.. و له اتباع في الخارج يطوف عليهم و يتفقد احوالهم بين حين و آخر. (كما و لعلّ البابا بموسكو له موقفٌ آخر، و وجهة نظر.)

                        *

و كلمة ‘الحـَـبِشة’ أيضاً تشير في لغتهم إلى لون او سِمة البشرة السوداء الداكنة بل ‘المحروقة’. و لكن للفظة ‘الحبشة’ دلالة محلية خاصة و تعني سكان البلاد ‘الأصليين’. كما و لقد لاحظت أن للكلمة رمزاً حتى بشكل تصفيف شعر رأس الرجال مثلاً حين يُجمــَّع الشعرُ إلى الأعلى كما في قبّعة ناپليون، و كأنــَّها تـُمثـِلُ تاجاً سامقا.

لكن لفظة ‘الحبشة’ تعني ايضاً ‘الوطن الأم’. و لقد صار لهذا معنىً خاص بعد اكتشاف رفات سيدة أسماها العلماء ‘لوسي’، كانت قد اكتُشفت في اواخر القرن العشرين، ثم تحقّق علماءُ الآثار و تاريخ التطور و الارتقاء البشري على انها اصلٌ للإنسان و امٌ للبشر! (شاهدتُ بقايا هيكلها العظمي بمتحف التراث الوطني في اديس ابابا.(صورة مرفقة.)

  معنى ‘أديس أبابا’

أمّا اسم عاصمةإثيوپيا، ‘أديس أبابا’، فيعني الزهرة اليانعة و الصابحة او الحديثة. و صارت المدينة عاصمة لإثيوپيا منذ عهد الامپراطور/ ‘النـّيگوس’ Negus (=الملك): مينيليك و زوجته تايتو (و هي من اطلق هذه التسمية حين الانشاء!)

معنى ‘هيلا-سِلاسي

بعد الإمپراطور مينيليك جاء الإمپراطور هـَيلا-سِلاسي

و هذا -حقاً- ليس اسمه؛ بل كان لقباً اكتسبه عند توليه سدة الحكم، و يعني: ‘قوة الثالوث المسيحي المقدس’ The Umph/Power of the Holy Trinity.

*لكن الإسم الحقيقي لهيلا- سِلاسي هو: نِفتاري مِكونـِن. (حيث: نِفتاري يعني: المحترم و المـُهاب.)               

  هـَيلا: القوة

و مسألة ‘القوة’ و الصولة و الصولجان كانت مهمة لشخص و منصب جلالته و أمثاله. كما و كانت لديه مزرعة لتربية (الأسود!) قـَربَ قصره بأديس ابابا. و كان من القابه الرسمية: ‘الرأس’ فترأسَ كل السلطات.

بل و كذلك أذكر وصفاً ذكرته صحافتنا له بلقب ‘اسد يهودا’، و ذلك اثناء زيارة رسمية له للمملكة في اواسط القرن 20.

حكم هيلا.سِلاسي إثيوپيا من 1917م، اثناء الحرب العالمية الأولى، و حتى قيام ثورة شيوعية بقيادة مانگِستو هـَيلا مريم (قوة.مريم) في 1974م، و هذا حكم لـ17 سنة لـحتى 1991م.. و حين التجائه الى زِمبابوي!

(اما الإمپراطور ‘هيلا.سِلاسي فمدفونٌ في كاتِدرائية الثالوث المقدس، جوار زوجته مِنـِن).

                      *

و لاحظتُ مدى تديـّن الناس الذين قابلتهم، بما يشبه التدين  عندنا؛ و أوجه ممارسة طقوس الديانة تظهرُ و تـُسمع في غير موقع و زمان: فإن.شاء.الله، و ما شاء الله، و انا -بحمد الله و فضله- بخير!.. و هكذا.

 تعددية المعتقدات

و رغم ان اغلبية الشعب هم اتباع الكنيسة المسيحية، لكن حرية العبادة مكفولة للجميع.

و فيما بعد (الأرثـُذُكس)، يأتي المسلمون في المرتبة الثانية عددياً؛ ثم الپروتستانت بتأثير الاستعمار الإنگليزي بالقرب؛ و الكاثوليك، بتأثير الاستعمار الإيطالي و خاصة في المنطقة المتاخمة لإريتريا التي صارت منذ حين دولة مستقلة.

كما و هناك نسب صغيرة لكنها متواجدة من اتباع مختلف المعتقدات، منها: شهود يَهوَه و اليوم.السابع.. و كذلك البهائية.

و بالطبع هناك نسبة ضئيلة من ممارسي الأديان العتيقة الطبيعية و الوثنية الأصلية، في مناطق نائية، ربما بحدود 2% من السكان.

                       *

لاحظتُ تأثرَ مناظر و مظاهر الكنائس بالعظمة و القوة، كما في تصاميم البناء؛ بل و حتى باللوحات الفنيةالمزيّنة للجدار.

فمثلاً، على جدار الكنيسة الكبرى(مـَدِيهاني.عالم): كنيسة شفاء العالم و خـَلاصِه، تظهر جدارية للقدوس (القديس) يوحنا (يحي المعمدان)، مع صندوق لوضع الصدقات على الممر تحتها؛ و بعده: لوحة للقدوس أورائيل، و بيده اليـُسرى سيف مسلول. و هناك لوحة تُبرزُ القـُدّوس گــَبرائيل/ جـَبرائيل و في يمينه سيف مسلول؛ و سيف آخر في يده اليسرى؛(إسم جَبرائيل/جبريل، جـَـبر.إيل: يعني قوة الله.)؛ و ميكائيل/ميخائيل(: ‘هُوَ مِثلُ الإله’): [مي.ك.إيل].

و في الكنائس الأُرثـُذُكسية تقام صلوات يومية، بُكرةً و عَشيا: صباحية باكرة و مسأئية متأخرة؛ بل و في آناء الليل و اطراف السحر.

       صيام

كما و يقوم المتدينون بالصيام مرتين في الأسبوع: الأربعاء و الجمعة.. بمعنى تناول وجبات لا تشمل اللحوم و الكحول، بل تقتصرُ على بعض الخضروات و النواشف و البقول.

(كنت -قبل سنين- قد لاحظت في قبرص و اليونان و هما  (أُرثـُذكس) عادة تناول وجبة بقولية/خضرواتية في وسط الأسبوع. و لكن (كان) فهمي -من بعض العامة هناك- انّ تناول تلك الوجبات كان من قبيل الصحة للجهاز الهضمي بعد وجبات المشويات الدسمة خلال ‘الويكند’ و ما حوله؛ فكنت قد احتسبتـُها -وقتها- من تراث (الحكمة اليونانية) القديمة؛ و بأنها مجرد عادة، لا على انها (عبادة)!

    طاجن دورو.وَت

و رغم ان الغذاء و التغذية الإثيوپية تشمل انواعاً من المأكولات، و منها المشاوي و اللحوم؛ لكني لاحظت انتشار وجبات مثل (الدورو.وَت) و تتكون من مرق مركـّز مُعرّق ثخين و يشتمل على قطع من الدجاج (دورو) .. و معها بيضة مسلوقة و معها وافر البقوليات و الخضروات، في طاجن من المرق (وَت).. عامر بالبصل و العدس ابوجـُبـّة و بقل(البليلة) الحُمّص؛ و الكلُ يأتي عامراً بالبهارات، منها ‘البَربير’، واضح الحـِدة و الفـَـلفـَلة!)

كما يصاحب خبز ‘إنجارا’ هذه الوجبة كغيرها من الوجبات (و يرفض الإثيوپيون تسميته ‘خبزا’ً)؛ و هو خفيف، رهيف و مرقط بفتحات صغيرة في انحائه)، و هو الذي عهدناه في مكة عن اخواننا اليمنيين بسم اللَحـُوح!

  طاجن مِسِر.وَت النباتي

و مثل وجبة دورو-وَت، فهناك وجبة اخف و نباتية بالكامل، و تسمى ‘مِسِر.وَت’، (و ‘مِسر’ هنا تشير للعدس، بل إلى مصر؛ و تشمل البصل و نحوه؛ و لعله يشمل بقل (الحُمص) البليلة ايضاً، لكن لا لحوم هنا و لا بيوض).

*و يتم تناول هذه الوجبة و غيرها من الوجبات باستعمال خبز ألإنجارا (خبز اللَحوح).

و كالعادة، و فيما عدا احتساء الشوربة و نحوها، فيتم تناولُ الوجبات باليد باستعمال اصابع اليد اليمنى!

اكلُ الرز، بل و الخبز، قليل

كما و اكتشفتُ ان الإثيوپيين -بعامة- لا يتناولون الأخباز، رغم إمكان وجود انواع معينة من الخبز الأبيض، ‘الفـِينو’؛ و الأسود، الگــَرس’.

كما و لا يميل الإثيوپيون لأكل الأرز (فعسى ان يسامحهم زوارهم من شعبنا المـُدمن على الكبسة و السليق و الرز البخاري!)

و لكن من الممكن بالطبع طلب إعداد طبق من الأرز -كما فعلتُ، و كان ارزاً بالطماطم: أروز تِماتِن! و كان هدفي هو تخفيف حرَقان مرق الطاجن!!

لكني اخمـِّن ان لن يعجز بعض المقيمين اليمنيين المشتغلين في قطاع الضيافة من تولي مهمة توفير المكبوسات!

*كما و لعل عدم اعتياد تقديم الأرز و التخصص فيه هو -و هذا مجرد تخمين مني- سبب من اسباب فشل مشروع كبير تعهـّده محمد حسين العمودي و معه مشاركون سعوديون كالأخ ع.الله مصري. (كان ذلك في عهد الملك ع.الله، بمشروع  ضخم لزراعة الأرز  بالحبشة، قبل 5 سنوات.]

القهوة

و هل تكتمل الوجبة دون كوب شاي او قدح قهوة! و الحبشة هي موطن لكليهما، إن لم تكن اصل منبتهما. و من مناطق الحبشة الـ85، هناك مواقع مشهورة اقليمياً و عالمياً، سواءً اكانت هَرر، او جيما، او كافا (و اتصور ان منها جاءت لفظة قهوة او حتى الأورپـية العالمية كافيه او كوفي.

و في وسط أديس أبابا، حول الميدان/ (الپياتسا) نشأ منذ ايام الاستعمار الإيطالي: مقهى قديم صار مـَعلـَماً هناك، اسمه ‘توموكا’، يقدمون فيه ما لا يقل عن 5 أنواع ..بما فيها التركية.

و لمحتُ لوحة مدلاة من سقف المقهى تحمل عبارة عن دور القهوة و اهميتها، و ذلك في مقولة تــُعزى الى الكاتب الفرنسي بـَلزاك!

       الحبشة كبلد

الحبشة/إثيوپيا بلد عظيم، عجيب، قديم؛ و لكنه تعتريه المتناقضات: ففيه الخضرة و الماء؛ و الجفاف و الصحراء؛ و فيه غنىً واضح مع فقرِ فادح.

و لقد لاحظت في زيارتي الحالية اكتظاظ السكان؛ و تكاثر المتسولين و خـرّازي الحِذيان في مختلف الطرقات.

و من السهل ان تجد خمسة الى سبعة اطفال في العائلة الواحدة، بل و لا تستبعد وجود عشرة أطفال او اكثر في البيت الواحد!

جارتي في الطائرة

صادف ان كانت فتاة بجواري في الطائرة في خط عودتي لجدة: هي عشرينية كانت قد تلاقت و تزوجت أمريكياً يعمل في جدة مدربا ًخاصاً لإبن احد موسرينا.

لم تـُـكمل ثانويتها، و هي اكبر اخوانها و اخواتها؛ و لقد جاء اقترانها بالمدرب الأمريكي انتشالاً لها، و انقاذاً لإخوانها و اخواتها الـ11؛ و معهم الوالد و الوالدة، بمجموع: 13!

التنمية و سد بحيرة تانا

و البلاد تتكون من 14 منطقة اقليمية كبرى، منها أُكسوم، و گوندُر، و لاليبالا. و تشمل تلك المناطق 85جهة، منها المناطق الأكثر تاريخية و ثقافية في الجهات الشمالية؛ ففيها عدد من المآثر و المواقع الوطنية الكبرى و مراكز عدد من القادة و الأپاطرة التاريخيين؛ و هي المناطق المتاخمة للسودان.

و في نفس المنطقة تقع نقاط لتجمع مصادر المياه، و منها

بحيرة (تانا) الكبرى، و عليها يتم الآن تشييد سد النهضة، والمشروع الكبير لانتاج الطاقة الكهربائية، حيث أُخبرتُ بأن سيكون بإمكان اثيوپيا ليس فقط اكتفاء المنطقة ..بل و تصدير الكهرباء الى الدول المجاورة و منها السعودية!!

و فاتني ان اسأله عن كيفية توصيل التيار إلينا بالسعودية، و ذلك بسبب عوائق الجغرافيا السياسية (..اريتريا)!

و لكن، لعل من وسيلة تقنية.. و ربما الحل سيكون بالبث عبر الجو و الهواء!

فكان جوابي، نرجوا لكم طيب الحياة و موفور التقدم بتوفير الطاقة محلياً وما يحقق تنمية القرى والمدن و كهربة الأرياف.

و ما يحقق الأمن و السلام، و و أيضاً (حسن الجوار!)

تزاحمُ السكان يقوّضُ الأوطان

و اتصور ان انشاء هذا السد العظيم سينفع البلاد و العباد..

و لكني اكاد اجزم بأن ذلك سيكون فقط لسنين معدودة!

و ذلك بالاشارة الى بناء السد “العالي” بمصر؛ الذي كان أعجوبة عصره و حدَث زمانه، ثم ما لبث ان بدأ تضاؤل مردوده ..و تنامى عجزه عن تغطية حاجة مصر.. و ذلك  جرّاء التضخم السكاني الخانق هناك!

فعند بدء تشييده، لعل سكان مصر كانوا في حدود الـ50 مليون نسمة؛ اما الآن فلقد زاد العدد إلى الضِعف، بل و تضخم الرقم و تـَعدّى الـ 104 مليوناً!

وهذا ما قد ينتظر سد النهضة!

و الذي يُحزن هنا و هنالك و هناك هو: في غياب تنظيم الأسرة، و دون الحد أو التخفيف من الانفلات التناسلي، فإننا سوف نتعامل مع قـِربة مخروقة مخزوقة!

   اللغات و اللهجات

إثيوپيا العديدُ من اللهجات و اللغات؛ إلاّ أنّ ثلاثَ لغات هي الأشهر: الأمهَرية، و قد تم تبنيها كاللغة الرسمية للبلاد؛ و تليها الأورومنية؛ ثم تأتي لغة التيگراي.

*كنت احسّ عبر السنين بأن الأمهرية اخت للعربية او من بنات عمها؛ ثم تبين مؤخراً -في زيارة لي- ان هذا و ذاك كان بعض تصور مني مبني على تشابه هنا و تناقل هناك؛ و توصلت الى انها لغة مستقلة بذاتها.

و أختمُ هنا ببعض الكلمات و العبارات الحبشية الأمهرية التي تركز هنا على التحايا و السلام:-

ص. الخير (للذكر):

Dana aderk!

ص. الخير (للأنثى):

Dana adarsh!

*كيفَكM؟ Anda mannek

كيفـِكF؟ And mannash

*مااسمُكMَ؟Smek mannu

ما اسمُكFِ؟Smash mannu

شكراً: *أما-سِگنالو؛

ج: :مِنّا.مايدِن:No Problem

*و أخيرا:

تصبح.على.خير: Da-Naadir

*حــَدسي هو ان (أبيسينيا).. تجيئ من الأسم الأصلي للبلاد، حَبـِشه و منها إلى(حبيشينيا)؛ و تحوَّلت الحاء الى هاء.. ثم اختفت الهاء في الفرنسية و أمثالها، فتحّوّلت من هاء الى (آ).

د.ابراهيم عباس نــَـتـّو

عميد سابق بجامعة البترول.

حول الكاتب