22 نوفمبر 2017 مـ / موافق 5 ربيع الأول, 1439 هـ


حوار مع مغرد (5) – مروان الرشيد : القلق الوجودي دهمني مبكرا وجهاز الهيئة إهانة للمجتمع

بيان الجهني – (أنحاء) : –

من مكتبة والده، فتح نافذة ود مع الكتاب، فأصبحا صديقين، لكنه تجاوز محتوى المكتبة التقليدية، إلى باحات التاريخ والفكر والفلسفة، فوجد نفسه فيلسوفا، وفي النهاية أصبح يؤمن أن الفلسفة جحيم دنيوي. يحدث كل هذا وهو ما زال في السنة الجامعية الثانية.

مروان الرشيد، marwan32 شاب سعودي يمتلئ طموحا وثقافة ووعي، ويحمل في جعبته الكثير، ينتقد فكر المسيري ويعشق أبو يعرب المرزوقي ومالك بن نبي، ويرى أن هيئة الأمر بالمعروف لها غايات سياسية، كان معه هذا الحوار الشيق، اليه : –

 

من هو مروان الرشيد ؟
–  من مواليد الرس، القصيم. ادرس في قسم اللغات والترجمة في جامعة الامام محمد بن سعود، قسم اللغة الانجليزية، سنة ثانية

لماذا توقفت عن التدوين ؟
– التدوين كان لدي حاجة نفسية، ومن ثم استنفد حاجاته.

يعتبر المدونين التدوين إضافة لهم أو أنه مجال غير فيهم . ماذا عن مروان ؟
– التدوين كان بالنسبة لي اول تجربة كتابية، خارج المقررات المدرسية. هذه هي قيمة التدوين بالنسبة لي، اضافة الى ما ذكرته في التوقف عنه.  

يُعرف مروان بشخصيته المتميزة في تحليل الأمور، ومع ذلك يعترف بكسله في القراءة، ألا ترى أن هذا يؤثر عليك بشكل سلبي ؟
– ارجو ان اكون ممن قعد به كسله، فقام به عقله. اعتقد ان مشكلتي تتمثّل في سرعة عطب مزاجي، اكثر من انها كسل. أي شيء من الممكن ان يجعلني اتوقّف وان احجم عن اكمال ما في يديّ. في حالة القراءة، قد يكون نوع الورق، او طريقة استخدام علامات الترقيم، او الخطّ المستخدم. وهذه امور فنية، فكيف بالملحوظات الاسلوبية او الموضوعية على الكتاب.  

كثيرا ما يقول مستخدمي تويتر  أنه يغير الحياة، هل غير تويتر حياتك ؟
– غيّر حياة كلمة مبالغ فيها وغير دقيقة. ساقول انه غيّر اسلوب حياة ونمط حياة. وبالطبع احدث تغييرا. كيف لا وانا اقضي فيه الساعات الطوال. الفائدة التي خرجت بها منه هو الصداقات التي كونتها، والصداقات التي دعّمتها من خلاله

كيف يمكن أن نصف الوضع الحالي لتويتر ؟
– وضع شديد الحيويّة والحياة. ان الفجوة التي بين الواقع الافتراضي والواقع الحياتي تزيد ضيقا كلَ يوم

أثير موضوع مضايقة الفتيات على تويتر . هل يعتبر هذا أمر طبيعي في ظل الإعتقاد بملائكية مستخدمي تويتر أم أنه صادم بالنسبة لك ؟
– لا استطيع تصور وجود مضايقة للفتيات في تويتر. يوجد زر اسمه "بلوك"، متى ما تمادى احد الطرفين

تتم أحيانا المقارنة بين مروان وسلطان العامر ، مالرابط بين شخصيتكما؟ 
– علاقتي بسلطان علاقة أستاذ بتلميذه، سلطان الاستاذ بحكم الفارق العمري والمعرفي. وهي علاقة صداقة. ارجو ان تنتهي علاقة الاستاذية بان يقول سلطان: "دفنتني وأنا حي، هلّا صبرت حتى أموت؟". والصداقة اتمنى لها الاستمرار الى ان يموت احدانا فيكتب فيه الاخر قصيدة رثاء ويصنّف كتبا يملاءها اكاذيبا وانتحالات في فضله

ألا تعتقد أن تويتر موقع أعطي أكبر من حجمه ؟ وتوقع مدمنيه منه أكثر مما يحتمل ؟
– تقييم تويتر ليس ثابتا. فتويتر ٢٠٠٨ ليس تويتر ٢٠١١ الذي بدوره لن يكون تويتر ٢٠١٤. بالمجمل تويتر هو روح العصر.

نقل السياسة لتويتر ألا تعتقد أنه أثر على حرية الفرد في التعامل مع تويتر ؟
– السياسة تخترق كل شيء، ما دامت هي التي تقرر حالاتنا ومصائرنا. ولا اعتقد انه من الصعوبة بمكان ان يعزل مستخدمٌ ما نفسه عن السياسة، ما دام قرار متابعة هذا او ذاك بيده

تشكل الفلسفة أحد إهتمامات مروان ، تحدث لنا عن بداية إهتمامك بها  ؟
– منذ الصغر اعتبرت نفسي فيلسوفا. القلق الوجودي واختلاجات الكينونة هجمت عليَّ مبكرا، ابكر من اللازم، فيما يشيخ البعض وهي لم تخطر له في بال. انت لا تصير فيلسوفا بقرار واعي، الفلسفة تصيبك. والفلسفة تعني بين ما تعنيه: القلق وصعوبة التيقن، من أي شيء، من كل شيء، حتى نفسك. الفلسفة هي الجحيم الدنيوي، على عكس ما ادعى القُدامى من انها جنة العقل


حدثا عن التحولات الفكرية التي مررت بها؟
– ليست تحولات بمعنى الكلمة: كما لو انني كنت ماركسيّا فصرت اسلاميّا، او اسلاميّا فصرت علمانيّا. التحولات عندي منحصرة في تحولات برأيي من هذه القضيّة او تلك
 

تنتقد فكر المسيري الذي يعتمد على فكرة أساسية وهو مركزية الإنسان ورفضه للعلمانية الشمولية . مالذي تختلف فيه معه ولماذا ؟
– موقفي من المسيري كونه – اذا استثنينا عمله الموسوعي العظيم عن اليهودية – نسخة مشوهة من مدرسة فرانكفورت التي، بدورها، عفى على افكارها الزمن. ومدرسة فرانكفورت هي ضرب من الماركسيّة الثقافية، اي ماركسيّة من دون توجه او طموح سياسي. مدرسة فرانكفورت حاولت ان تطرح مشكلات الانسان والمجتمع الحديث. ما فعله المسيري انه استعار افكار هذه المدرسة واسئلتها، ثم اجاب عليها اجابات دينية هجينة.  
لا اعترض على اتباع مدرسة فكرية. انا انتقد في المسيري انغماسه الكامل في هذه المدرسة وهذا التيّار، وعدم محاولة الانعتاق منه، ودون اعتبار لأي منتج فكري آخر. بل ان الجيل الثاني من المدرسة، ممثلا في هابرماس، انقلب بشكل كبير على طروحات الجيل الاول، وتجاوز نقائصها. باعتقادي، الركون الى مدرسة فرانكفورت – التي نشطت من بداية القرن العشرين حتى منتصفه – كان الخطيئة الكبرى للمسيري – رحمة الله عليه

من من الكتاب المعاصرين يروق لك القراءة له ؟
– سأجيب عن المعاصرين، بمعنى الاحياء، فالمعاصرين الاموات يصعب حصرهم.   
عزمي بشارة، الذي اتفق معه فكريا وسياسيا في الكثير من الامور. برهان غليون، لحذاقته في قراءة الواقع التاريخي والراهن للأمة العربية. كذلك حازم صاغيّة الكاتب اللبناني، لطلاوة اسلوبه وطرافة ملحوظاته، على انّي اختلف معه شبه جذريا في التوجه السياسي والفكري، الا اني استفيد من نقوداته للتيار والتوجه الذي اميل له.

ولا انسى ابا يعرب المرزوقي، الذي اعترف بقصوري في استيعابه وقلة قراءاتي له، ولكن اعشق فيه الاجتهاد وخروجه عن ربقة السلفية والتقليد، السلفية الدينية والفلسفية على حدٍ سواء، ففي ابي يعرب نرى طيفَ ابو حامد الغزالي وابو العباس ابن تيميّة. وطه عبدالرحمن، الذي يمتاز، كما في ابي يعرب، بخروجه عن ربقة السلفية الفلسفية والدينية، ونقده للاخلاق الغربية الحداثية من منطلقات دينية بصورة بديعة ومبتكرة. ابو يعرب وطه عبدالرحمن، خير مثال في الاجتهاد، وعدم الركون للنمطية الفكرية والافكار المسبقة، شرقيةٍ كانت او غربيّة، وهما حقيقين بان يكونا نموذجا للنشء العربي المهتم بالقضايا الفكرية والفلسفية، بله الثقافة بشكل عام.  

كثير ما نسمع عن مكتبة والدك .. حدثنا عنها وعن تأثيرها عليك؟
– لا تأثير لها علي فكريا. مكتبة والدي هي مكتبة تقليدية، تحوي كتيبات صحوية، اضافة للكتب الاسلامية القديمة التي كانت الصحوة ترتكز عليها وتوصّي بقراءتها. ان كان لها تأثير فسيكون في جعل الكتب مألوفة في ناظريّ، فلم يكن بيني وبين الكتاب غربة منذ الصغر.


تنتقد هيئة الأمر بالمعروف بشدة . فهل هذا الحديث من قناعة أو مواقف ؟
– عن قناعة بالطبع. ليس لي مواقف شخصية مع الهيئة، ولست بحاجة لأن يكون لي مواقف حتى اعترض عليها، فكُلنا يعترض على الفقر والاغتصاب والاحتلال، دون ان يجربها شخصيا. موقفي من الهيئة موقف مبدأي محضّ

مجتمعنا لم يعتد على إلغاء جهة يعتبرها عامة الشعب شيء أساسي في تكوينه فهل يمكن طرح بديل للهيئة أو تحسين من مهامها ؟ ماذا ترى ؟
– العبوديّة، أقصد امتلاك الرقيق – التي كانت جارية لمئات السنين – الغيت ولم يحدث كبير اعتراض او كبير أثر وجود جهاز من نوعية الهيئة هو اهانة للمجتمع ككل. انه يقول، ضمنيّا: "ايه المواطنين، انكم قاصرين بحاجة للتأديب والمراقبة طوال الوقت، انكم قاصرين وناقصي الكفاءة والأهلية منذ المهد حتى اللحد".
والبديل هو جهاز رسمي لمكافحة البغاء. وتكليف مكافة المخدرات بقضايا الخمور. وقضائيا تفعيل قوانين التحرّش والاغتصاب والابتزاز، فما زال القضاء لا يفرّق بين علاقة بالتراضي، وبين التحرّش بكافة انواعه، ويعتبرها شيئا واحدا وعلى نفس المستوى
بالمحصّلة: هدف الهيئة رمزي بحت، وذو غايات سياسية.  

حديثك عن "اكتئابك" بصراحة، ماذا كان يهدف مروان من ذلك وكيف كانت ردات الفعل ؟
– هدفي هو اهداف: منها ان يتوسل لي الاخرين العذر في برودتي احيانا في علاقتي معهم او عدم مبالاتي او قلة تهذيبي – كما يبدو لهم.
ومنها تطبيع فكرة زيارة الطبيب النفسي لدى الاخرين. وكم ارجو ان يُقدم من كان يعاني – ويحجمه تهيبه من نظرة المجتمع – على زيارة الطبيب. الامراض النفسية في ايامنا هي انفلونزا العصر. ان كنت تلاقي مصاعبا لا تخجل من طلب المساعدة
اما ما ردات الفعل؟ فاتركها لكم. الناس يختلفون في رداتهم، وغالبيتهم لا يصرّح بردة فعله

ماذا تقصد بمتعثر إدارياً ؟
– دعابة. وهي اشارة لكثرة مشاكلي الادارية في الجامعة. بداية باعداد جدول المحاضرات، ونهاية بجدول الاختبارات النهائية. اي ان مشاكلي الجامعية ليست من طبيعة دراسية، وانما فنيّة اداريّة

لو كانت لك السلطة الكاملة في البلد ما أهم قرار تود إتخاذه ؟
– لست اطمح للسلطة، على الاساس لو كنّا في في جمهورية ديمقراطية. انا احسب نفسي مثقفا، ودور المثقف هو نقد السلطة، اي سلطة كانت وكيفما تمظهرت. وان لم يكن دور المثقف هو نقد السلطة – بكل ما تحمله هذه العبارة من معاني، ومن بينها نشر الوعي – فلا ادري ما هو دوره

اختر احد متابعيك ووجه له كلمة ..
– كلمة اوجهها لمحبيّ مالك بن نبي. اقول لهم: لقد وفقكم الله بالتعرف عليه، وان كان متأخرا بعض الشيء. فالذين كانوا قبلكم تشربوا الاخوة قطب واقتنعوا بمغالطات جمال سلطان ورضعوا من ضرع سفر الحوالي، فلم يأت هذا لنا سوى بالخراب الثقافي والاجتماعي، بثقافة مهزومة حضاريا، مصابة بالعقد والنقائص، مغتربة عن دينها وامتها. ليكن مالك هو الدرجة الاولى لكم في سلم فهم اسلامي قويم، وخطوة اولى تجاه فكر غني، مُتنوع، انساني

كلمة أخيرة تود قولها ؟
– أود ان أقول في ظل الربيع الذي تعيشه الامة العربية: لقد بزغ فجرٌ جديد في هذا الشرق. فتمم يا الله، وقنا مغبات الفرقة والانانيّة: والا لسوف تذهب ريحنا ونغدوا من القوم الخاسرين. ولتكن غايتنا ان تكون كلمة الله والامّة هي العليا
.