22 يوليو 2017 مـ / موافق 29 شوال, 1438 هـ


منيف والقصيمي وموقف الأمير

– “الجهل هو دائما الوجه الآخر للعبودية” عبدالرحمن منيف

– “أسوأ ما في المتدينين أنهم يتسامحون مع الفاسدين ولا يتسامحون مع المفكرين” عبدالله القصيمي

– “ليست مشكلة السلطة في العالم العربي أنها تسلبك حق المعارضة فقط، هي تسلبك أيضا حق التأييد” عبدالرحمن منيف

– “كل الشرور مصدرها الجهل، وكل الخير مصدره المعرفة” عبدالله القصيمي

تفاجأت حين قرأت تصريحات نائب أمير القصيم فيصل بن مشعل بن سعود آل سعود عن فعاليات نادي القصيم الأدبي بخصوص طرح أوراق تناقش التحولات الفكرية والثقافية التي مرت بالمفكر عبدالله القصيمي والأديب عبدالرحمن منيف. الأمير “الدكتور” هاجم النادي الأدبي رغم إزاحة الأوارق المثيرة للجدل في ملتقاه (التحولات الثقافية في المملكة) بما يلي:

– إن ما أقدم عليه النادي أمر غير مشرّف وخطأ فادح، فالجميع يعرف التاريخ الأسود لهاتين الشخصيتين.

– لقد اعترضت “بقوة” ورفضت هذه الفعاليات بشكل قوي جدا.

– أتعجب من قيام النادي بالتذكير بهذين الشخصين، وعلى وزارة الإعلام تقويم مسار الأندية.

– ما قام به أدبي القصيم عقوق للدين والدولة.

– لا يشرفني حضور الملتقيات التي تناقش هذين الاسمين، فأنا سلفي أولا وأخيرا ولا أرضى ولا أقبل بمثل هذا الطرح.

– القصيمي ومنيف وصمة عار وسأقف في وجه أي ناد آخر يفكر في طرح اسميهما.

سبب تفاجئي بهذه التصريحات، أن فيصل بن مشعل هو نائب أمير منطقة القصيم وليس نائب وزير الثقافة والإعلام أو نائب رئيس النادي الأدبي. ومع ذلك، فإن فيصل بن مشعل “مواطن” يفترض أن يكون مثل غيره من المواطنين له حق التعبير عن رأيه، وفي المقابل، فإنني كـ “مواطن” لي حق التعبير عن رأيي في رأيه، على أساس حق “المساواة” بين المواطنين!، مع ضرورة التوضيح بأن النادي أراد نقاش ورقتين عن (منيف) و(القصيمي) لا تكريمهما – مع أنهما يستحقان التكريم – ثم تراجع عن النقاش بعد الضغوط.

في البداية، أود أن أسأل الأمير كونه وصف (القصيمي) و(منيف) بأنها “وصمة عار” و”الجميع يعرف التاريخ الأسود لهذين الاسمين”:

– هل عُرِفَ عن منيف أو القصيمي سرقة الأراضي؟

– هل عرف عن منيف أو القصيمي التجارة بالتأشيرات أو التجارة بالمخدرات أو الضلوع في عمليات التهريب؟

– هل عرف عن منيف أو القصيمي الاستيلاء على أموال وأملاك الناس بالباطل؟

– هل عرف عن منيف أو القصيمي أنهما من أرباب المساهمات الوهمية؟

– هل عرف عن منيف أو القصيمي أنهما من أصحاب العمولات غير المشروعة الخاصة بصفقات مشبوهة؟

– هل عرف عن منيف أو القصيمي الاتجار بالدين وقضايا الأمة لخداع الناس أو الجثوم على رقابهم؟

– هل عرف عن منيف أو القصيمي أنهما أدينا قضائيا بالفساد الإداري أو الأخلاقي أو السياسي؟ أو أشيع عنهما شبهة الفساد الإداري أو الأخلاقي أو السياسي؟ (للمعلومية لم يتمتع القصيمي أو منيف بحصانة سياسية أو قانونية تمنع مثولهما أمام القضاء في حال شكوى المتضررين من فسادهما).

– هل عرف عن منيف أو القصيمي موقف معاد من حق الشعوب في حكم نفسها بنفسها؟

– هل عرف عن منيف أو القصيمي الإفتاء تكفيرا وتخوينا وبثا لثقافة الكراهية والموت؟

– هل عرف عن منيف أو القصيمي أنهما من طبقة “وعاظ السلاطين” التي تحلل الحرام وتحرم الحلال – أو تحلل وتحرم على هوى أصحاب الهوى – وتشرع الاستبداد وتدافع عن الظلم وتسفه الدعوة إلى ثقافة الديمقراطية وحقوق الإنسان؟

– هل عرف عن منيف أو القصيمي أنهما أصحاب خطاب يمزق الوحدة الوطنية تارة من باب الطائفية وتارة من نافذة العنصرية؟

– هل عرف عن منيف أو القصيمي أنهما يكرسان خطابا يضطهد المرأة ويلغي حقوقها؟

– هل عرف عن منيف أو القصيمي أنهما فجرا مجمعا سكنيا أو سوقا تجاريا طلبا للحور العين؟

– هل عرف عن منيف أو القصيمي أنهما قاما بعمليات إرهابية أو انتحارية في الداخل أو في الخارج؟

– هل عرف عن منيف أو القصيمي استغلال مناهج التعليم أو منابر المساجد لترويج أفكار متطرفة ودموية وإقصائية؟

– هل عرف عن منيف أو القصيمي أنهما من أصحاب الأقنعة، فهم ليبراليون مع الليبراليين ويحذرون من مغبة سيطرة وسطوة الإسلامويين، وهم إسلامويون مع الإسلامويين ويحذرون من مغبة سيطرة وسطوة الليبراليين؟

– البعض في (تويتر) تساءل إن كان “الأمير الدكتور” قد قرأ مؤلفات (القصيمي) و(منيف)، وفي رأيي فإن هذا السؤال غير مهم، لأن السؤال الأهم: هل فهم تلك المؤلفات أو بعضها؟ (الفهم أهم من مجرد اكتساب مهارة القراءة).

في الحقيقة، إن إجابات فيصل بن مشعل لا تهم كثيرا، فإذا إجابته “نعم” يجب أن يدلنا على شركاء القصيمي ومنيف في الداخل، وإذا كانت الإجابة “لا” فيجب أن يدلنا على أصحاب هذه الأفعال الأكثر “عقوقا للدين والدولة” من النادي الأدبي والقصيمي ومنيف، وأصحاب هذه الأفعال هم – وحدهم – أصحاب “التاريخ الأسود ووصمة العار”.

أطرف ما في تصريحات “الأمير الدكتور” تعجبه من تذكير النادي الأدبي في القصيم بهاتين الشخصيتين، ما لا يعرفه “الأمير الدكتور” أن الناس – محليا وعربيا على الأقل – يعرفون القصيمي ومنيف أكثر منه، وسيبقى ذكرهما قطعا،  الأطرف – إطلاقا – في تصريحات فيصل بن مشعل قوله بأنه سيتصدى لأي ناد أدبي يفكر في مناقشة هاتين الشخصيتين، وهنا يجب تذكير “الأمير الدكتور” بمنصبه (نائب أمير القصيم) وصلاحياته، وحسب علمي فإنه لا يتمتع بسلطة تخوّله التحكم في الأندية الأدبية أو ابتلائها، إلا إذا اعتقد أن لقب “الأمير” يتيح القفز فوق الأنظمة والقوانين.

“الأمير الدكتور” بدا لافتا في تصريحه الاعتماد على “القوة” (الغصب والإكراه)، فهو من قال “لقد اعترضت بقوة ورفضت هذه الفعاليات بشكل قوي جدا”، هذا الاستعمال المفرط – في جملة واحدة – لمصلح “القوة” يشرحه تتمة تصريحه “أنا سلفي أولا وأخيرا”، فلو استخدم “الأمير الدكتور” لفظ “أنا مسلم أولا وأخيرا” لما كان لاستخدام مصطلح “القوة” أي دلالة أيديولوجية قهرية (المعروفة عن السلفيين خصوصا).

قد يبرر مؤيدو “الأمير الدكتور” موقفه – وهذا حقهم – بأن القصيمي (ملحد) ومنيف (بعثي)، وهنا أنتقل إلى تغريدة إبراهيم زولي: “ملتقى النادي الخامس كان عن عنتر بن شداد، والملتقى السادس عن (امرؤ القيس)، شاعران وثنيان وليسا من الصحابة، لكن لم يعترض نائب أمير القصيم”!. الأهم من ذلك أن إيمان (القصيمي) شأن بينه وبين ربه، وأن (منيف) من حقه تماما أن يحدد خياره السياسي، ومع ذلك أود أن ألفت نظر “الأمير الدكتور” إلى ما قاله المستشار محمد سعيد طيب في كتابي (السجين 32) عن توزيع شركة (تهامة) – التي كان يرأسها – رسميا لكتاب القصيمي (الصراع بين الوثنية والإسلام) : ” لم تكن شجاعة مني، فقد كلّفني مسؤول كبير جداً في الدولة بالسفر إلى القاهرة ولقاء عبدالله القصيمي، وأن أشتري منه كامل الكمية من كتابه المذكور، وبالسعر الذي يريده (القصيمي)، وكان سعراً باهظاً. وفعلتُ، اعتقاداً بأن المسؤول سيعوّضني، وكاتبت ذلك المسؤول – أكثر من مرة – لأن توزيع الكتاب كان بطيئاً جداً، ولم يحقق المبيعات المطلوبة، لكن المسؤول لم يستجب!”. يستطيع “الأمير الدكتور” أن يراجع شركة (تهامة) للاطلاع على أرشيف المخاطبات الرسمية ويستطيع أن يتواصل مع (الطيب) ليعرف هوية المسؤول الكبير الذي غادر دنيانا قبل فترة وجيزة. أيضا، بإمكان “الأمير الدكتور” أن يتواصل مع أعلى سلطة في البلاد التي حاولت – أكثر من مرة – دعوة (منيف) للعودة إلى بلاده وتكريمه، وقد وجد (منيف) من تلك السلطة الاحترام اللائق بعد وفاته كما حاولت في حياته. السؤال الآن لـ “الأمير الدكتور”: هل سعي المسؤول الكبير الراحل وراء شراء كتاب لـ (القصيمي) – وبالسعر الذي يحدده – وتوزيعه رسميا في المملكة، إضافة إلى تواصل أعلى سلطة في البلاد مع (منيف) يعد “عقوقا للدين والدولة”؟!.

عُرِف عن خادم الحرمين الشريفين – حفظه الله – نصيحته للأمراء بالابتعاد عن التجارة والثقافة، وإنني آمل أن يكون “الأمير الدكتور” أول المستجيبين للنصيحة، وبعيدا عن ذلك كله، أود أن أسأل القارئ – من دون قصد أي إساءة لا سمح الله – لو وضعنا تصريحات “الأمير الدكتور” عن نادي القصيم الأدبي وعبدالله القصيمي وعبدالرحمن منيف بدون الإشارة إلى صاحبها، فهل سيتبادر إلى ذهن المتلقي أن قائل التصريحات هو “دكتور” فعلا؟!.

إن المسألة ليست الدفاع عن عبدالرحمن منيف أو عبدالله القصيمي، أو انتقاد تصريحات “الأمير الدكتور”، المسألة أكبر وأعمق وأهم: حرية النشاط الثقافي والإعلامي وحرية المؤسسات الثقافية والإعلامية بعيدا عن وصاية المؤسسة السياسية أو المؤسسة الدينية، ورفض التسلط على ذلك النشاط وتلك المؤسسات بمعايير لا تمت لأعرافها وقواعدها بأي شيء، فالمبدع يبلور قيمته الفكرية والثقافية بالثورة على الأغلال لا الثورة على الحرية، والانتماء إلى المواطنة لا الانتماء إلى المداهنة، والانتصار لمدينة الحق والعدل لا الانتصار لمدن الملح!.

حول الكاتب