غازي القصيبي .. مسؤول يتصارع مع السلطة ومثقف “توزره” القصيدة

كتب : عبدالله القرني :

بعد عام على رحيل عملاق الوطن غازي القصيبي، نتذكره بكل أسى وحزن، ويصعب علينا هذا الفراق الكبير، غير أن الأصعب من ذلك، الكتابة عنه، أنها كتعريفك للشمس وهي تسطع في عينيك.

غازي القصيبي شئ لا تحاصره الكتابة وهو سيدها. هو ظاهرة كونية في حياة السعوديين. النموذج الصالح للنجاح والمواطنه. يحبه الفقراء لأنه لا يتكلم بلسان الغني، ويحبه الأغنياء لأنه غني يمثل للفقراء.

أنه معادلة صعبة التكوين. عبقري، من أين تولي نظرك تجاهه فأنت أمام الدهشة. هو كل في واحد، الدكتور الاستاذ الوزير السفير الشاعر الروائي والكاتب و و و . لذلك تجده منتشرا في وجدان الوطن وذاكرة المواطن.

ولد في مدينة الإحساء في 2 مارس 1940م عاش طفولة تغذت على فقد الأم. وما بين قسوة الأب المفرطة ودلال جدته لأمه عاش طفولته بالمنامة.

ثم أنطلق في شبابه متنقلا بين القاهرة التي قطف منها ليسانس الحقوق فالولايات المتحدة الأمريكية التي درس بها الماجستير في العلاقات الدولية وأكمل الدكتوراة بنفس التخصص من لندن، وتحديدا عن اليمن.

كان آخر مناصبه وزيراً، وبين اول عمل قام به حتى وصوله الى وزارة العمل سيرة اربعة عقود مكللة بالانجاز والاخفاق والضوء والصراع مع السلطة وللسلطة ومع المواطن وللمواطن.

كل الوزارات التي تمس حياة المواطن مر بها من الكهرباء للصناعة للمياة للصحة للعمل، كان فارقاً في حياته وموهوبا، تثق به السلطة والنخبة وحتى  العوام الذين ما زالوا يتذكرون مداهمات غازي للمستشفيات في ثمانينات القرن.

من ابرز محطات حياته بروزه في المشهد الشعري كشاعر تأثر في أول حياته، تستطيع أن تجزم انه ساهم في تثقيف الكثير من الوزراء، ولأن الشاعر يدفع الثمن من مواقفه، وغازي  شاعر عبر بالنص الى الأفق، فقصيدته التي عاتب فيها الملك الراحل فهد بن عبدالعزيز نقلته من الوزارة للسفارة، من وزارةالصحة الى سفارة البحرين، لتعيده قصيدة (آيات الأخرس) التي ازعجت يهود بريطانيا من سفارة لندن الى وزارة المياة.

غازي الفكر، رجل تختاره المعارك ولا يخذلها، ففي تسعينات القرن الماضي دخل حرب ضروس- هو الأول من مجاييله- مع التيار الصحوي، وكان من محاربيه آنذاك سلمان العودة وعايض القرني ومحسن العواجي، الذي شبههم بالبرامكة في عهد هارون الرشيد.

وفي حرب الخليج الثانية، كان مقاله اليومي في "في عين العاصفة" وزارة اعلام حربية تدافع عن أسد الجزيرة الملك فهد، وتعري البعثيين وطغيان صدام حسين. رحل صدام واعتدل رموز التيار الاصولي وقبل أن يرحل غازي تحلل بعضهم من آرائهم فيه. كاد المشهد ينطق "غازي كان على حق، كان مع الله ومع الناس".

كتب في الرواية "شقة الحرية" وتمنينا شققنا مثلها، واتبعها بـ"العصفورية" و"كرّت المسبحة" حتى رواية "دنسكو" التي عرّى صراعات الديموقراطية فيها حين حاربت استحقاقه لها.

كتب في الادارة موثقا تجربته في "حياة في الادارة"، ولم يطبع كتاب مثله، وكتب قبيل رحيله "الوزير المرافق"، وكان ذكي جداً في ايصال المواطن لمشاهد عدة وتحفظه على مشاهد يراها حصريه للسلطة.

ما يدعو للحزن فعلا، إن أهم كتبه "ثورة في السنة النبوية" لم يتعرف عليه التيار الديني، وهو الذي يكتب سيرة سيد الخلق، حسداً من عند أنفسهم وكي لا يصدقه المريدين وتشتغل بعض العقول المغلقة.

غازي رجل "عاف عن الناس" فقد عفا عن كثير وهو المقتدر، لم يمارس وشاية على أحد، ولم يتنفذ على إنسان مثله، حتى الأراضي كان يقتطعها من الحكومة للناس، غازي لا تحاصره في مجاله واحد حتى تحاصرك الأرقام من إنسان كان جبل لا تهزه رياح الدهر إلا ولام الدهر الرياح فيه.

كتب في آخر حياته روايته القصيرة (زهايمر) والتي صاغها فوق فراش المرض، والزهايمر مرض يأكل الذاكرة، كأنه يتنبأ أننا سنصاب به تجاه الراحلين.

سيكون كذلك الا مع غازي، فهو الإستثناء الذي يتفق عليه السعوديين بلا إستثناء، إن كان لهم رمز فهو رمزهم، رحمه الله ورحمنا بعده.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here