سلفية القوميين العرب

أحمد عدنان
أحمد عدنان

شهدت الأيام الماضية حدثين لافتين: الأول، إطلاق حملة الكترونية تستهدف دار مدارك – التي يملكها الإعلامي السعودي تركي الدخيل – نظير طباعتها كتاب (السعودية والمشهد الاستراتيجي الجديد) للمفكر الإسرائيلي جاشوا تيتلبام. والحدث الثاني، حملة إلحاقية على الكاتب السعودي عبدالله حميد الدين بسبب مقالة نشرها في موقع الكتروني مخاطبا مواطنا إسرائيليا بضرورة مراجعة انطباعات الصراع العربي الإسرائيلي – من الطرفين – أملا في مخارج جديدة لأزمة جاوز عمرها الستين عاما.

كان المفكر المغربي عبدالله العروي من أوائل المتيقظين لسلفية التيارات الفكرية والسياسية في العالم العربي يمينا ويسارا، أي أن دائرة السلفيين تتجاوز – منهجا – التيار السلفي إلى خصومه والتوفيقيين. حين تنظر الى القوميين العرب – مثلا – الذين يفترض أن يمثلوا علمانية ما، ويسارا مدنيا يناقض اليمين الديني، تجدهم لا يقلون سلفية عن خصومهم.

إذا كان النموذج السلفي واضحا في الخلافة الراشدة، فنموذج القوميين الأنصع هو الرئيس جمال عبدالناصر، ليتضح ان الاختلاف بين التيارين في الدرجة لا النوع، فالفارق بينهما 1340 سنة ماضوية، كلاهما يزعم السير الى الامام بينما الرأس متخشب الى الخلف، كلاهما يزعم التنظير المستقبلي مع التعلق بنموذج مات من 60 سنة أو 1430 سنة، وهذا هو المستحيل لأن الأمم تنهض وتتقدم بنماذج المستقبل لا الماضي.

لا ينكر السلفيون تقديسهم لنموذج الخلافة، ويباهون بأن نتاجهم خال من النقد الذاتي لنموذجهم لاعتبارات دينية (وهمية)، لكن أصدقاءنا القوميين ينفون التقديس، ولا توجد في أدبياتهم دراسة جادة تمارس النقد الذاتي على “الزعيم الخالد”. وهنا صورة أخرى للسلوكيات المتماثلة في الاتجاهات المختلفة.

كما تاه السلفيون مع حلمهم الاستثنائي، تاه القوميون مع نماذجهم بين المتناقضات والخيبات، من عبدالناصر إلى عرفات وصدام وآل الأسد، لتنتهي القومية العربية ملحقا للقومية الفارسية نتيجة الاعجاب بالجمهورية الإيرانية الإسلاموية وقائد ميليشيا (حزب الله).

أحد أبطال حملات دون كيشوت انهمك تنظيرا عن استقلال قرار (حزب الله) عن القرار الإيراني، مع ان الشيخ نعيم قاسم يؤكد دائما بأن حزبه هو “وكيل الثورة الإسلامية في لبنان” وحسن نصرالله صرح تلفزيونيا – قبل سنوات قليلة –  بأن حزبه هو حزب ولاية الفقيه!. خيبة الرهانات والرموز للتيار القومي رمته إلى نقيضه، إلى الإسلاموية والى قومية أخرى تشترك مع إسرائيل في التعنصر ضد العرب في مفارقة سوداء. لذا لا عجب أن يستمر تناقض بطل حملات دون كيشوت، يدافع عن الثورات العربية ثم ينتهج الدفاع المبطن عن بشار الأسد بذريعة معاداة داعش وأميركا!. على من ظنوا انهم عيروني بتأييدي لإسقاط نظامي صدام وطالبان أن ينظروا الى أنفسهم. عجبا لأولئك الذين يقدمون لنا دروسا في الوطنية، وهم من طالبوا يوما بتدويل مكة مشبهين حالها اليوم بالقدس تحت الاحتلال الإسرائيلي!.

أبطال حملات دون كيشوت متأثرون بالمفكر الفلسطيني عزمي بشارة، لكن ذلك النتاج – تنظيرا وتطبيقا – ساهم في تشويه الفكرة القومية بالخلط بين القيم والوسائل، لتكون النتيجة خطابا متهافتا بالانتماءات المتنافرة (العروبة، الفارسية – الناصرية، الإخوان)، وما المواقف المتباينة من ثورتي مصر الشعبيتين (25 يناير و30 يونيو) إلا تساؤل عن ما هية الخطاب وغاياته وليس تناقضاته فحسب!. إن ما فعله عزمي بشارة باختصار هو توسيع دائرة تنظيره المأزوم عن الهوية المقموعة من الفلسطينية الى العروبة، فتجلى ذلك في حوارييه التابعين لمواقفه. أساس الرصيد السياسي لبشارة قائم على التطبيع – المختلف حوله بين الفلسطينيين أصلا – من خلال اعترافه ومشاركته في الحياة السياسية الإسرائيلية، ومريدوه يجدون له الف عذر مع أن تشريع نظام الدولة الغاصبة أشد – وفق معاييرهم – من طباعة كتاب.

على هامش معرض الكتاب الذي يقام سنويا في الرياض، تنطلق الحملات السلفية لمنع الكتب وتحريمها، أو إلغاء المعرض تماما. والآن انطلقت الحملة القومية ضد دار مدارك وكتابها، ربما لإغلاق الدار أو حرق نتاجها. أبطال دون كيشوت لهم صولات وجولات ضد السلفيين من أجل حق الناشر في طباعة ما يريد وحق القارئ في الاختيار والرقابة الذاتية، لكنهم انكشفوا كسلفيين جدد.

قلنا لأبطال دون كيشوت أن عبدالناصر أطلق مشروعا بعد نكسة 1967 بعنوان (اعرف عدوك) ترجم من خلاله شريحة من النتاج الادبي للاسرائيليين والصهاينة، فقالوا بأن ترجمة (مدارك) احتفائية في اعتراض مبطن على الترجمة الأمينة، وكأن المطلوب قراءة النتاج الإسرائيلي بتصور مسبق ومؤدلج يفسد القيمة المعرفية. قال آخر إن الاعتراض على أخذ حقوق الكتاب، وكأن المطلوب هو سرقته. إن الخصومة لا تشرع التجاوز القانوني، ولا تبرر التشبه بالخصم.

الحملة على مدارك لا تستند إلى جدية معرفية أو سياسية ولا تخلو من التنافس التجاري بين دور النشر، وهي مراهقة مزدوجة لشريحة تبحث عن التمايز داخل تيار توقف عن النمو، فقناة الجزيرة تستضيف بشكل دوري قادة في الجيش الإسرائيلي، واستضافت في لقاء مطول الرئيس الإسرائيلي شيمون بيريز، وإن وجدت الاستنكار الخجول من أبطال دون كيشوت لن تجد التحرك الهستيري الذي يرافق حملة مدارك. كما ان ابطال الحملة يتغاضون عن نشر دور أردنية وفلسطينية ومصرية لمذكرات بن غوريون وشارون وجولدا مائير بعد أخذ الحقوق من الناشر الإسرائيلي، وهي كتب متوفرة في دول الخليج والعالم العربي.

بعد الماضوية والوصائية، كشفت الحملة اللاحقة على الكاتب عبدالله حميد الدين الإقصائية كملمح آخر في سلفية القوميين العرب، فالخارج عن السلفية المعلبة متهم بالكفر، كما ان الخارج عن القومية المعلبة متهم بالعمالة!.ليس للإنسان قيمة عندهم إن لم يكن معهم.

ليس غريبا أن تتصادف الحملتان المتشنجتان مع ذكرى نكبة فلسطين، وكأنها إدانة رمزية للخطاب الذي فاقم النكبة إلى نكسة وخسارة، فمصائر الفلسطينيين والعرب ارتهنت 60 عاما بين تيارين أضاعا الأرض وأزما الهوية ودمرا السياسة والمفاهيم، والطريف أنهما عجزا عن تقديم التجربة الناجحة في مجالات أخرى، فمن تيار خلط بين الثقافة والإعلام وبين الدعاية الى تيار هدم المنابر وقباب المساجد على رؤوس المصلين.

بالتزامن مع صحيفة (العرب) اللندنية

 

3 تعليقات

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here