العاصوف بعين ابن الرياض والمرحلة

حسين الراشد العبداللطيف
حسين الراشد العبداللطيف

لقد أثار العمل الدرامي السعودي العاصوف الذي يعرض في ليالي هذا الشهر الكريم على شاشة قناة mbc1 حفيظة الكثيرين من أفراد المجتمع السعودي وخاصة أولئك المهتمين بالدراما السعودية، فالكثير منّا يعرف أنّ العمل الدرامي ماهو إلاّ صورة توثيقية لما كان أو يكون عليه المجتمع في الفترة أو الحقبة الزمنية التي يتناولها، والتوثيق يكون توثيقاً شمولياً قدر الإمكان لما يتم تناوله في هذا العمل أو ذاك، والحياة المجتمعية لأيّ مجتمعٍ ليست ملكاً لشخصٍ دون آخر ولا لعملٍ درامي دون آخر، بل هو صبغة وعنوان وتأريخ للمجتمع كلّه دون استثناء، وهذا لايختلف عليه عاقلان، والعمل الدرامي السعودي من وجهة نظري هو في مستوى العمل الآني أو الموسمي والذي يغلب عليه الطابع الهزلي الكوميدي، ولا يشعر المتتبع له بعنصر الديمومة التأثيريّة كماهي لفيلم عمر المختار على سبيل المثال أو لمسلسل رأفت الهجّان أوغيرهما من الأعمال الفنية القويّة في حبكتها الحوارية القصصيّة وفي تمثيلها الصورة الجليّة والمضيئة للقضية المطروحة في أيّ جانب تمّ تناوله فيهما أو في غيرهما من الأعمال، إلاّ بأعمال قليلة لاتتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة والتي قام بها عدد من روّاد الدراما السعودية كالفنانين الراحلين محمد العلي وعبدالعزيز الحمّاد  ومحمد المفرح ومحمد حمزة وعبدالرحمن الخريجي رحمهم الله والفنانين سعد خضر وفؤاد بخش ومحمد بخش وناصر القصبي حاليّاً……الخ، ولكن مسلسل العاصوف في حقيقة الأمر قلب الطاولة رأساً على عقب حيال هذا الإعتقاد، لأنّه عملٌ إحترافي شمولي جادٌ ثقافة وتأريخاً وفنّاً وفكراً، وهو من وجهة نظري من أفضل الأعمال السعودية بل والعربية إن لم يكن أفضلها وخاصة من الناحيتين التصويرية المجتمعية و بنيته التحتية، وهو أقوى عمل سعودي على الإطلاق بما يتعلق بجرأة طرحه فكريّاً ومجتمعيّاً.

ونتمنى أن تتطوّر الدراما السعودية برتمٍ متوازٍ مع تطور الجوانب الحياتية الأخرى التي تتطور يوماً بعد يومٍ وبشكلٍ سريعٍ في بلادنا للوصول إلى تحقيق أهداف رؤية 2030 الرائعة والجميلة، تمنّيت أنّ هذا العمل الكبير والمبدع أن لايتمّ البدء به إلاّ بعد إستشارة أكبر عددٍ ممكن من مفكّري ومؤرخي بلادنا وهم كثر ويشار اليهم بالبنان، وأن لايكتفي العمل بمؤلفٍ واحد (مع احترامي للدكتورعبدالرحمن الوابلي رحمه الله) بل بفريق عملٍ مكوّن من عددٍ من المفكرين المؤلفين والمشهود لهم بعمق الفكر وبسعة الإطلاع وكلّ في مجاله، لأنّ هذا العمل وغيره من الأعمال المشابهة يحتاج إلى لجنة إستشارية لاتقلّ عن ثلاثةِ مفكّرين للقيام بتأليفه لارتباطه بأهداف فكريّة عالية المستوى بعيدة المدى، على أن تكون هذه اللّجنة الإستشارية هي عين الرقيب فكريّا للتأكّد من تحقّق الترابط بين محتوى المنتج الفكري والأداء التمثيلي على الأرض ومدى تلاؤم ذلك مع جميع مفردات العمل تأريخيّاً ومجتمعيّاً وعلميّاً ومعلوماتيّاً وقبل ذلك دينياً قدر الإستطاعة.

لقد إحترمت العاصوف لجرأته في تسليط الضوء وهزّه للمشاهد الذي كان يعتقد أنّ مجتمعنا مجتمعاً ملائكياً طاهراً منزّهاً من الأخطاء، متناسين أنّ الزناء وشرب الخمر والرباء والغيبة والنميمة والخيانة والغدر والكراهية والحسد والتحاسد والتزوير والكذب والنفاق والسلوك النتن بعمومه كان موجوداً في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم وبشكلٍ متخفٍّ غير ظاهر ولكنّه كان موجوداً وإلاّ لما أقيم شرع الله وإلاّ لما أقيمت حدود شرع الله، ولكنّه كان من الأولى من العاصوف وكوادره أن ينقل الصورة كما كانت دون مبالغة، وإن كانت موجودة فيتم تسليط الضوء عليها وبشكلٍ مباشرٍ ولكن بإسلوبٍ أكثر ذكاء وواقعيّة، فالعلاقات المحرّمة بين الجنسين مثلاً في فترة الثمانينات والتسعينات الهجرية من القرن الماضي والتي هي الفترة التي تناولها المسلسل كانت مستترة بشكلٍ كبير جداً وغير معروفة وغير واضحة نهائياً وإذا عرفت أو اكتشفت كانت منبوذة جداً ومقزّزة ولا أيّ إنسان عاقل من الأسر النجديّة التي تناولها المسلسل ولا من المجتمع السعودي بعمومه أن يقبلها ولا أن يتساهل معها ولا مع مرتكبها، فمثلاً لا أحد يزوّج شابّاً ويعرف أنّه شاب زانٍ، ولايتساهل أحدٌ مع الزانيين(الزاني والزانية) وأوّل الناس في ذلك والديهما وأقاربهما فما بالك بجيرانهما ومحيطهما في الحارة، ولكن العاصوف أظهر عكس ذلك حيث أنّ الجميع يعرف تلك العلاقة المحرّمة التي بين محسن (خرّيج المحاماة من جامعة القاهرة) وإبنة جارتهم المزعجة وكذلك التي بين خالد(خرّيج كليّة التجارة من جامعة الرياض) والبندري زوجة جاره ! وهذا لايمكن أن يصدّقه أحد فكيف أن يقبله؟! لأنّه أمرٌغير واقعي، نعم أصدّق ذلك كإبن من أبناء الرياض والذين عاشوا تلك الفترة في الرياض مابين أحياء غميتة والريل والديرة والبطحاء وعريجا وشارع الدركتر والملز، أقول أصدّق ذلك لو كانت تلك العلاقة المحرّمة(مستترة) لا يعلم بها أحدٌ من البشر وخاصة من الأهل نهائيّاً، وأنّ يكون كلا الشخصين الزانيين حذرين جداً لضمان بقاء سريّة تلك العلاقة خوفاً من افتضاح أمرهما، وأنّ لقاءات العشق بينهما لاتكون بتلك السهولة التي شاهدناها إلاّ أن يكون ذلك بصعوبة بالغة لشدة الحذر والخوف من الفضيحة، لكنت صدّقت ذلك، لأنّ هذا هو الأمر الطبيعي في أيّ مجتمعٍ مسلم محافظ وهو خوف كلّ مبتلى بمعصية كالزناء وشرب الخمر، بل أنّه في ذلك الوقت كان المدخنون يدخنون بعيداً عن أسرهم التي  لاتعرف شيئاً عن ذلك، كي لايغضبوها، وقس على ذلك أيضاً العلاقة مابين المراهق مع إبنة الجيران من خلال (حجا الطاية) والتي لم نسمع أيّاً من هتين الكلمتين في العمل وهما كلمتين نجديتين خالصتين تعنيان جدار السطح، فهذان المراهقان لم يتم معاقبتهما ولاحتى تنبيههما على سوء سلوكهما وخطأهما!! وهذا غير منطقي.

 ولاننسى أنّ شرب الخمر كان نادر الحدوث وإن حدث يكون غالباً خارج مدينة الرياض في ضواحيها وليست في بيوت وسط الحي، بل كان ذلك في البراري خارج المدينة مثلاً في طعوس(كثبان رمليّة) معيزيلة شرق الرياض أوفي طعوس الزويليّات طريق الخرج أو في البيوت التي هي في طور بداية الإنشاء أو في البيوت المهجورة التي كان روّادها يدّعون أنّ بها جنّاً لتخويف أبناء الحي  أو أبناء القرية الآخرين لئلاً يدخلونها، وذلك لضمان تفرّد هذه الفئة التي أبتليت بشرب الخمر أو حتى التتن(الدخان) بها.

 كذلك الشاب الأعزب ما كان يستطيع أن يسكن في بيتٍ وسط الحي بل كان سكن العزابيّة في أطراف الأحياء غالباً، وكأن مسلسل العاصوف يريد أن يبرز (بدون قصد طبعاً) أنّ المجتمع النجدي مجتمعاً متساهلاً في الجوانب الدينية والأخلاقية وغير مكترث لها، وهذا الذي قد يفهمه البعض، وهذا غير صحيح طبعاً لأنّ المجتمع النجدي بعمومه ومجتمع الرياض خاصة كان مجتمعاً محافظاً جداً ومجتمعاً حيي(أكثر حياء) وخاصة النساء، وقس على ذلك بما يرتبط بالحجاب والاختلاط مابين المرأة وإبن عمّها أومع إبن خالها بدون حجاب !!! ولكنّ الذي شاهدناه في المسلسل خلاف ذلك. 

وتمنّيت من العاصوف أنّه سلّط الضوء على الأساليب الخاطئة والتي كانت تستخدم آنذاك في تربية الأبناء وفي التعامل مع الشباب خاصة من قبل الوالدين وبعض المعلّمين وكبار الجيران في الشارع وفي المسجد (من ضرب ومن توبيخ أمام الآخرين ……وكذلك عدّ إمام المسجد للمأمومين في صلاة الفجر ……الخ) ولعلّي أحد المراهقين الذين كنت أذهب لصلاة الفجر في المسجد سريعاّ كي لايفوتني عدّ الإمام إسمي بعد تسليمة الصلاة مباشرة بأنني كنت أذهب وأنا لست على وضوء فقط لأقول كلمة حاضر بعد أن أسمع الإمام منادياً لإسمي، وبعدها أرجع الى البيت وأتوضأ ثم أصلي من جديد !!! نعم للأسف وغيري كثير من أبناء جيلي.

أما مايتعلّق بالجانب التعليمي فلم نرى في العمل أي لقطة توحي بجدية التعليم السعودي وقوته في جميع مراحل التعليم العام آنذاك، وحالات الطوارئ التي تنتاب الأسرة السعودية أيام الاختبارات الشهرية الأربعة وكذلك الاختبارات النهائية والتي هي في كامل المنهج الدراسي الذي دُرّس على مدى الثمانية أشهر ومدى صعوبة الأسئلة ولجان الاختبارات ومراقبي اللجان من وفي مدارس أخرى ليست المدارس التي يدرس فيها الطالب و مراقبو قاعات لجان إمتحانات(تسمية الإختبارات آنذاك) شهادات مراحل التعليم العام(السادس إبتدائي والثالث متوسط والثالث ثانوي)بوزارة المعارف ليسو من مدرسي المدرسة التي يدرس بها الطالب بل هم مدرّسون يعملون في مدارس أخرى، وكنت أتمنى إعطاء صورة الهيبة والتقدير لمعلمي تلك الفترة عندما يرونهم طلاّبهم وآباؤهم وعامّة المجتمع وجيرانهم سواء كانوا في المسجد أو في السوق أو في الشارع، والمصطلح المعروف والمتداول من الأب مع المعلّم ومدير المدرسة، وهو جملة: لك اللحم ولنا العظم، وإسم جامعة الرياض (جامعة الملك سعود حاليّاً) الذي هو إسم من ذهب يتلألأ طرباّ إذا ذكر في البيوت النجدية والسعودية لقوّة الجامعة أكاديميّاً ولقلّة الطلاّب الجامعيين في المملكة بعمومها آنذاك ولقلّة الجامعات.

أما مايتعلّق بالروشن الذي تردّد إسمه في العمل كثيراً فإنّني تمنّيت أن يتم تسميته باسمه الحقيقي الذي كان سائداً ومتداولاً في البيئة النجدية آنذاك وهو (الصفّة) فغرفة الأب تسمّى بـــ صفّة أبوي   وقس على ذلك صفة الحريم وصفة العيال وصفة البنات، كذلك جصّة التمر لم يتم ذكرها نهائيّاً في هذا العمل، ولم يتم التطرّق ولو سريعاً على عمليّة خراف البسر وصرام عذوق التمر ولا كنز التمر في الجصّة (الكنيز) بالرّغم أنّ الجصّة كانت موجودة في أغلب البيوت النجدية آنذاك وبالرغم أنّ العمل إنتقل إلى بيئة المزرعة والقرية النجدية وفي أكثر من مشهد.

أمّا ما يتعلّق بالممثلين والممثلات من وجهة نظري فإنّهم أجادوا وأبدعوا جميعاً في تأدية أدوارهم مع وجود بعض الملاحظات البسيطة التي لاتقلّل من مستوى أدائهم القوي والرائع،  ولكن لفت إنتباهي أنّ أمّ الأشقّاء الثلاثة كانت متسلّطة على أبنائها وبناتها وغلب على لهجتها اللّكنة والمدّة(مدّ الكلام) الحساويّة هي وجارتهم عزيزة وليست اللهجة النجدية وهي(الأم) التي تفرض رأيها وكلمتها على الجميع دون نقاش ولا تفكير، حيث تمنّيت أن يتم تصوير المرأة النجدية بــــ(حبابتها ولبابتها) وتسامحها وأنّها ذات القلب (اللّين هشاشة ونشاشة) والمرهف مع أبنائها وبناتها، وهي ذات الصوت الدافئ والهادئ وأنّها حيّية(أكثر حياء) لايسمع صوتها نهائياً من جيرانها، لأنّ هذا الذي يغلب عليها في الواقع، ولكن الذي رأيناه في العاصوف خلاف ذلك.

وكم كنت أتمنى إظهار روح الحميميّة مابين الجيران بما يتعلّق بثقافة(أمّي تسلّم عليك ياخالة وتقول عندكم شوي طماط لأن ابوي ماهوب به، أو ياخالة أمّي تسلّم عليكم وتقول خوذوا ذوقوا هذا من عشاء الوالدين وهكذا …..الخ).

كما تمنّيت أن يُسَلّط الضوء على الألعاب الشعبية ووسائل الترفيه آنذاك من قبل عيال وبنات الحارة (طبعاً كلّ على حده) في الشارع وفي البيت، في أيامِ السنة عموماً وفي ليالي رمضان خاصة. ومن تلك الألعاب للعيال على سبيل المثال: عظيم سرى(عظيم ساري) وسبع الحجر والحبشة(الغمّيما) والعكوس(صور ورقية كرتونية للمشاهير العالميين أوروبيين وأمريكيين) والمصاقيل(البرجون) وتقليد الأصوات والتمثيل الكوميدي في مداخل أبواب المنازل(على الدكّة=درجتين أو أكثر، والتي كانت سمة معظم بيوت الرياض القديمة آنذاك خاصة في أحياء الديرة ومقيبرة وغميتة) وذلك تأثراً بالمسلسلات التلفزيونية التي كانت تعرض آنذاك على شاشة التلفزيون السعودي والذي لم يكن موجوداً سواه، كمسلسل جحا ومسلسل أشعب الكندي وهما مسلسلان لبنانيّان. وركوب الخيل الإفتراضي(عسبان النخيل) واللّعب والإزعاج  بإصابة  (فلق) رؤوس المارّة ورؤوس بعضهم بالخطأ لمطاردتهم العصافير أو حمام الجيران بـ (النبّاطة) سواء بالحصى أو بالأسيام والمسامير المعكوفة، وصناعة الألعاب كالسيارات وكفراتها والدنّانات الصغيرة من الخشب ومن أغطية قوارير البيبسي (ببسي وميرندا وكندادراي وأورانجينا) وعمل الطائرات الورقية الممسوكة بالخيط الطويل والتي كانت منتشرة في تلك الفترة……………الخ.

ونسي العاصوف لعبة شعبية كانت سائدة أيضاً بين المراهقين والأطفال لدى كلّ من العيال والبنات وهي لعبة (طاق طاق طاقيّة).

 وللكبار كانت لعبة (المقطار) ولعبة الباصرة(الورقة) سائدة بين بعض الشباب ولعب الكيرم وكرة الطائرة ولعبة تنس الطاولة (في ليالي رمضان بشكلٍ أكبر) في البيوت أو في أراضي الفضاء و المزارع المجاورة.

أمّا ألعاب البنات السائدة آنذاك والتي كنّا نراقبهنّ ونحن وهنّ صغاراً وصبياناً لعبة الخطّة على التراب(الأرض) في البيت أو في الشارع أمام البيت وخاصة الصغيرات منهن أمّا المراهقات فكنّ يلعبنها في أحواش بيوتهنّ وتمثيل دور الأمهات ولعب العرائس (جمع عروسة) وتغطيتها وإرضاعها …..الخ، ولعبة الحبشة(الغمّيما) داخل البيت…..الخ.

ومن أهم وسائل الترفيه آنذاك وبلا منازع والتي كنت أتمنى تسليط الضوء عليها وبشكلٍ أوسع للكبار قبل الصغار هو مشاهدة التلفزيون ليلاّ لأنّ وقت البث آنذاك محدّد من الساعة العاشرة صباحاً وحتى الساعة الثانية عشر ليلاً. وبالإشارة لأسماء البرامج والمسلسلات والتمثيليات والأفلام، ولو ذكراً فقط عبر النقاش إذا لم تتوفر المادة التلفزيونية كمجلة التلفزيون ومسرح التلفزيون ومن كل بحرٍ قطرة ومسلسل فارس بني عيّاد بطولة الممثل الفلسطيني الأصل محمود سعيد رحمه الله وبرنامج بين الحقيقة والخيال  وكانت تعرض فيه بداية البرامج باللغة العربية فقط ثمّ بعد ذلك تمّ عرض برامج باللغة الإنجليزية كبرنامج إفتح ياسمسم للأطفال بنسخته الإنجليزية وهو الأساس وذلك عام 1392هـ وكان من أهم برامج الأطفال برنامج مجلة الأطفال الذي كان يقدمه الطفل آنذاك سبأ باهبري والذي غدا من مذيعي التلفزيون السعودي فيما بعد، ثم لحق به أخوه الأصغر سلطان، ونسى مسلسل العاصوف المسلسل الكرتوني للأطفال والذي كان باللغة الإنجليزية وهو مسلسل لولو الصغيرة والذي فيما بعد عمل منه مثيله أو دُبلج باللغة العربية(للأجيال التي بعدنا وبمراحل)  وتمنيت الإشارة تحديداً للأفلام الأجنبية التي كانت تعرض على الشاشة آنذاك والتي عملت نقلة حضارية وثقافية وفكرية هائلة وقوية لجيلنا نحن الذي عاش تلك الفترة وهي مسلسلات رائعة وجميلة ومؤثرة علمياً ودرامياً وثقافياً ولغوياً حيث كانت تعرض باللغة الإنجليزية لغتها الأم دون دبلجة، وأعني تحديداً مسلسل بونانزا(بن الأب وهوس وآدم وجو الأبناء)ومسلسل أبطال فرجينيا ومسلسل لاسي(كلب العائلة) ومسلسل سيلفر(حصان) ومسلسل أرض العمالقة، ومسلسل المهابيل الثلاثة، والأخير هو الوحيد الذي تمّ الإشارة إليه في العاصوف بلقطة سريعة عنه.

كما أنني تمنيت أن يشار ولو مجرد إشارة إلى البدء الحقيقي لإنطلاقة الثقافة الروائية القصصية الحديثة آنذاك بتأثر وبإرتباط الجيل المراهق في حينها بالقصص وبالروايات المصوّرة والمكتوبة والذين يسعون إلى إقتنائها تملّكاً أو إستعارة مابين الزملاء في المدرسة خاصة وفي الحارة بشكلٍ تدويري بينهم، والتي كانت منتشرة ومتوفرة وبشكلٍ كبير في المكتبات التجارية والعديدة في مدينة الرياض كتغريبة بني هلال والزير سالم وعنتر بن شدّاد وأخيه شيبوب وبونانزا وتان تان والشياطين الخمسة(تختخ وعاطف وقيس والشاويش فرقع…).

وكنّا نحن الأطفال والمراهقين آنذاك نرفّه عن أنفسنا ونكسب المال في نفس الوقت بلعبة (شختك بختك) وببيع حلاو (الحلقوم) وبصناعة الآيسكريم (العسكريم)من شراب التوت في شوارع الحارة.

وتمنّيت ولو بالإشارة فقط أن العاصوف جاء على أنّ النساء النجديّات كبيرات السن يحملن معهن دائما في جيوب (مخابي) درّاعاتهن(ثيابهنّ) أفضل وسيلة تهدئة وإسكات الصغار أوكهدية لإسعاد الأطفال وهي (الحقاق) وهو عبارة عن خليطٍ مكوّن من حلاو مصّاص وحلاو البيض  ومكسرات وفصفص وسبال وحب القرع والحلاو العسليّة واضيف اليها لاحقاً حلاو البقر.

وأيضاً تمنيت كذلك بما يتعلّق بالهدايا التي كان يحضرها الحجاج من مكة المكرّمة وخاصة (الدرابيل الصغيرة ذات الصور الملونة) والسبحات، ولي عتب على العاصوف الذي وكأنّه يقول للناس أنّ مجتمع الرياض لم يعرف الميداليات المكتوب عليها الأسماء إلاّ بعد أن جاء بها محسن من القاهرة كهدايا لإخوانه وأقاربه، ونسي الكاتب أنّ مثل هذه المكونات كانت معروفة منذ القدم لدى المجتمع النجدي لتواصله المستمر في مواسم الحج بمكة المكرمة التي كانت منفتحة على جميع شعوب دول العالم قاطبة والذين كانوا يحضرون معهم سلعاً ومقتنيات يقومون ببيعها على الحجاج الآخرين وكذلك كانوا يشترونها من محلاّت بيع الهدايا والسبح في شارع الليل وغيره من الشوارع التجارية بمكة  المكرمة آنذاك ليهدوها لأقاربهم ومعارفهم حين عودتهم إلى الرياض وذلك على مدى سنوات عديدة ومنذ الأزل، ولكن العاصوف لم يبيّن ذلك بل أجزم أنّ كثير من المشاهدين اعتقدوا بخلاف ماذكرته، وخاصة عندما قال حمود عندما أعجبته الميداليات المكتوب عليها الأسماء والتي أحضرها محسن معه من القاهرة، ياناس كيف يكتبون عليها الأسماء؟!! ياناس لايكون هذا سحر!!! وكأن الأمر معجزة!! مع أنّ كتابة الأسماء على الميداليات الخشبية ليست بتلك الصعوبة التي تجعل حمود يقول هذا!!! وكأنّ المجتمع النجدي عام 1393-1394هـ مجتمع جاهل منغلق لايعرف شيئاً أو كأنّه كان في العصر الحجري بثقافته المغلقة!!! مع أنّ هذا غير صحيح، حيث أتذكر أنّني أنا شخصيّاً مع مجموعة من الزملاء ومعظمهم أحياء ولله الحمد من أبناء الرياض والزلفي والمجمعة وبريدة  قمنا من باب الفضول بعمل ميداليات ومن البلاستيك وبمواد بسيطة جدا وبالألوان وفي الشارع وفي الحارة، وذلك في عام 1392هـ 

أمّا مايتعلّق بالبيئة التحتيّة لوسط الرياض والرياض بعمومه فهناك إجتهاد واضح من العاصوف بإظهار ماكانت عليه الرياض آنذاك، ولكنّ ملاحظتي على العمل أنّه غاب عنه وعن المشرف على مسلسل العاصوف أنّ سفلتة شوارع الرياض بدأت ببداية عام 1389هـ ، حيث أنّ هذا المسلسل نقل الصورة لشوارع قلب الرياض لما بعد التأريخ المشار اليه أنّه غير مسفلت وغير مرصوف وغير منّظم وتحديداً منطقة (الصفاة) في عام 1393هـ.

أمّا مايتعلّق بالجانب الرياضي فكان نشطاً في الحارة وخاصة لعب كرة القدم وكان الجمهور مابين نادي الهلال ونادي النصر بشكل كبير وقليل جداً لناديي الرياض والشباب، وكنت أتمنى أنّ العاصوف أشار لملعبي هذين الناديين العريقين الهلال والنصر اللّذان كانا ملاصقين لبعضهما شمال محطة القطار(الريل) في الجزء الجنوبي من حي الملز، وكم كانت الحميميّة بين لاعبي الفريقين أوقات الاسترخاء والراحة بين شوطي التدريب كلّ يوم وكان المقصف(دكّان بيع البارد )واقع بين الملعبين الترابيين اللّذين لايفصلهما سوى مايسمّى بالعقم (حاجز ترابي لايزيد ارتفاعة عن نصف المتر)، وكم كنت أتمنى أنّ يظهر ماكان المراهقون يكتبون على جدران المنازل الطينية أو حتى الخرسانية، عبارات يعتزّ كاتبوها بلاعبي فريقهم المفضّل، وخاصّة لاعبي الهلال والنصر، فأتذكّر مثلاً حارس مرمى نادي الهلال(ضاري) والذي كانت تكتب على الجدران عبارة ( مع ضاري لانبالي) واللاّعب أبو حطبة وغيرهما من اللاّعبين كسلطان مناحي وبعده جاء سلطان بن نصيب وغيرهم من اللّاعبين(رحم الله الجميع أحياء وأموات).

 وفيما يتعلّق بالمجال الرياضي كم تمنّيت أن تتم الإشارة لحدثينٍ مهمين جدّاً حدثا في تلك الفترة التي تناولها المسلسل وهما:

1-إقامة دورة الخليج الثانية والتي كان الاهتمام بها في كل بيوت الرياض ، ومعظم الأسر شارك منها طفل أو مراهق كطلاب مدارس لإقامة المهرجان والذي لا أنساه أبداّ لجماله ولروعته في استاد وملعب الملز آنذاك حيث كان عدد المشاركين(3000)طالباً يعني إهتمام(3000) أسرة مباشرة بهؤلاء الطلاب و(6000) أسرة كحدٍ أدنى من الأسر المرتبطة بالأسر الأولى من أعمامٍ ومن أخوال، حيث كانت حديث الساعة آنذاك لفترة طويلة جدّاً لاتقل عن ثلاثة أشهر على مستوى المجالس وعلى مستوى الإعلام، سواء كان إستعداداً قبل الحدث أو بعد الإنتهاء من حدوثه، وأتذكر أنّها كانت على شرف الملك فيصل رحمه الله الذي افتتح تلك الدورة في ذلك اليوم.

2-المباراة الإستعراضية التي أقامها الملاكم المسلم محمد علي كلاي والذي كان بطل العالم للملاكمة في الوزن الثقيل في إستاد الملز وكانت برعاية كريمة من الملك فيصل رحمه الله الي أتذكره حاضراً تلك المباراة، والتي كانت حديث الساعة آنذاك لمدة لاتقل عن الشهرين، وأتذكر أنّ مدرجات الملعب كانت ممتلئة عن بكرة أبيها.

وقس على ذلك بما يتعلق بسباقات الخيل الأسبوعية في ميدان الخيل بالملز، والتي كان هناك أسماء خيول اشتهرت ودخلت أسماؤها الى كل بيت نجدي مثل الحصان المشهور آنذاك (العاصي) الذي كان متفرّداً بالجوائز الكبرى تقريباً لسنوات وليس لسنة واحدة.

ومن ناحية واقع الفن المجتمعي الأسري كنت أتمنّى من العاصوف أن يتذكّر أنّ جهاز (البكم) آنذاك كان هو السائد لدى بعض العوائل والتي بعمومها هي عوائل وأسرٍ محافظة ومتديّنة بالفطرة، حيث لا تتساهل بعمومها في أمر الغناء ولكنّني أقصد العوائل والأسر التي كانت تتساهل بهذا الأمر وبشكلٍ سرّي ومستتر حياء من الجيران وهي عوائل قليلة آنذاك حسب ماعايشته ولاحظته، حيث كانت هذه الآلة هي السائدة في تلك الفترة قبل انتشار المذياع(الرادو=الراديو) وقبل ظهور شريط (الكاسيت) وغزوه الساحة الغنائيّة الترفيهية المجتمعية الشبابية، وكيف أنّ الأخير كان ثورة هائلة في مجال الفن الغنائي ولكنه جاء بعد سابقه (البكم) الذي سُمِع عبره غناء عوض الدوخي وقبله عبدالله فضاله وجاء بعدهما خلف بن هذال العتيبي بأغنيته المشهورة(أحبّ المُرِّ مع سِكّر نِباتِي) وحجاب بن نحيت الحربي بأغنيته المشهورة(طرقت باب الهوى، والتي ذكرها خالد لزوجته جهيّر في إحدى اللقطات) ثم جاء طلال المداح ولكن بصورة أقل من السابقين في نجد في تلك الفترة هو وطارق عبدالحكيم وفوزي محسون ومحمد سندي وبعدهم جاء محمد عبده ومسفر القثامي وجاءت توحة وعتاب وابتسام لطفي وفي نجد برز سعد عبدالكريم وعبدالعزيز الراشد و سعدالتمامي وعبدالعزيز الهزاع(الأخيرين كمنولوجستيين) تاب الله عنّا وعنهم ورحمنا ورحمهم الله جميعاً الأحياء منهم والميتين.

في الختام العاصوف وبالرغم من كلّ ماسبق ذكره من ملاحظات أعتبره من أفضل المسلسلات العربية طرحاً وتناولاً وجرأة، فبالرغم من كل ملاحظاتي السابقة فإنّ مسلسل العاصوف أمتعني وأشعرني كمفكّر وكروائي وككاتب وكمؤلّف وكممثل مسرحي سابق على مسارح مدارسنا لوزارة المعارف أنّه العمل الدرامي الأوّل الذي يستحق أن أمكث أمام الشاشة وأنتظره لمشاهدته.

تحياتي للجميع

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here