انكسار المعنى في العلاقة الإنسانية.. “الصداقة والحب”

رجاء البوعلي
رجاء البوعلي

المعنى ليس آنية زهور بكسره يمكن استبداله أو شراء عوضا عنه، فهو مفهوم مجرد من المادة وفي انكساره كسر لقيمة الشيء المجردة. هكذا يمكننا فهم كسر المعنى في العلاقات الإنسانية.

ومن هذه العلاقات الإنسانية التي تحمل صيغا متعددة هي: الصداقة، معنى يتجاوز التشابه الشكلي والجسدي إلى تشابها فكريا و روحيا يأخذ الصديقين إلى وجهة واحدة فيكون المعنى المشترك هو العمود الفقري لهذه العلاقة، يكبر الصديقان و يتعرض كل واحد منهما لظروف مختلفة تجعله ينعطف وفق تعرجاتها على مدى السنوات، يظن أحد أن الصديقين قد افترقا نتيجة هذا التباعد الجسدي وكذلك الفكري، ولكن ما أن تحين اللحظة الحاسمة سعيدة أو حزينة حتى يشع الصديق بجوار صديقه يشاركه الشعور كما لو كانا قبل سنين. فمعنى الصداقة وما تضمره من مشاركة وصحبه ومحبة و احساس بالآخر يفوق المسافة المادية ويختزلها بدافع معنوي مجرد. وهنا يمكننا القول:

“إني لا أريد الصديق في اللحظة الحرجة فقط، إني أريده في سعادتي واستراحتي”.

ولكن ماذا لو انكسر المعنى؟ معنى الصحبة والرفقة؟ بهتك جدار المؤازرة والمشاركة، عندها يتلاشى معنى أن الصديق حاضر في اللحظات القريبة مع صديقه. هكذا تظهر العلاقة والروابط بين الأفراد بسيطة على سطحها وكأنها معلقة بخيط واحد، ولكن بالغوص في صلبها وتفكيكها إلى ما تضمره من معانٍ سنجدها تربت على عدة قيم، وتغذت على مدى وقت حقق لها ما بلغته من درجة متقدمة وهنا يكون الإنكسار مؤثرا على جوهر العلاقة.

الحُب هو الآخر يملك كل المعنى لينصب رآيته باقية عبر الزمان والمكان، فلا يعد للبعد المادي قيمة لأن المعنى المجرد متسلط بوجوده أينما انتقلت الأجساد ورحلت، متسامِ فوق مادية الحب الذي يتجاوز الملموس متجاهلا كل عابر شديد الجمال والفتنة أمام العين، لأن العرق النابض في علاقة الحب ليس المادي بل عرق المعنى ودم الذات الواحدة للمحبوب، وهو ما يجعل العاشق يعيش حالة من الاغتراب ليس لأنه غريب بين جمع غفير بل لأنه لا يستأنس بغير محبوبه الغائب. وهنا يمكننا القول:

إني أحبك في وجه الطبيعة

وأراك سامقا بين الأشجار في الطليعة

متسقا، منسابا في هطول النهر

فلقد مشينا سويا على طول الدهر

أنا وأناي وثالثنا المطر

لوحة قرمزية بماء الزهر

إني رأيتك حيث لا يرى أحدٌ أحداً

وسمعتك حيث لا صوت ولا صدى

و سامرت روحك مجردة في المدى

لا جلد ذوى

و لا شيبٌ هوى

فلقد صلى علينا الحب

خارج الوقت

هذا ما يمكننا اعتباره بناء المعنى في العلاقة الإنسانية التي تسمو بها الروابط عابرة لحدود المكان ومقايسه الفيزيائية ومتجاوزة لعقبات العمر وشيباته البيض لتنبعث منها رائحة البقاء والوفاء والأبد كعلاقة آمنة مطمئنة. 

فالحب له أعمدة معنوية ترفعه، منها: الثقة والوفاء، فهاتين الدعامتين كفيلتين ببناء جسر راسي من الحب و الجمال. ولكن كسر معنى الثقة كفيل بهدم جدار الصدق والأمان لدى المُحب، فكيف يصمد الصدق والشعور بالأمان في غياب الثقة. أما الوفاء؛ المعنى المقابل للخيانة فهو يحتل الجزء الأكبر من معنى الحب، فالحب الملتزم غالبا ما يؤدي دور الوفاء بمسؤولية كاملة بعكس علاقة حب تنهزم أمام إغراء المادية المؤقتة عادة ً، لأنه ارتباط بمعنى يسكن المحبوب ولا يسكن غيره، كرائحة الجسد أو بصمة الإصبع، خاصة له فقط. يقول:

“لقد حملت حبها في صدري ولكن أعراف الجهل حالت بيننا، فذهبت لرجل آخر، بكيت في ذلك اليوم، بكيت كما لم أعرف نفسي، كيف يمكن أن أسافر بها حبيبة و أعود محاولا جعلها مجرد صديقة طيبة عرفتها صدفة! كان شعورا مريرا. وبعد هذه السنين لازال حبها ينبض، وما من حيلة بقيت إلا أن أزج بأبني يعشق ابنتها لعله ينتصر للحب! وأظل أراها .. وقد كبرنا”.

إنه اعلاء لقيمة المعنى في قصة الحب الطويلة، وانتصار لكيمياء الانسجام بين المحبين، ولكنها الهزيمة أمام القدر، لازالت تحاول أن تبني قدرا يمد معنى الحب ليكون أبديا بأي وسيلة.

وعلى النقيض عندما تصاب العلاقة بكسر في عمق معناها يعتريها الشحوب، فالصدمة ليست مرتبطة بمادة ملونة على الجسد يمكن تبديلها بل بجوهر المعنى من الحب أو الصداقة. ماقيمة صداقة لا ترافقك في لحظات الحاجة لصديق، لحظات الفرح والحزن؟ ما قيمة حب لا يحفظك في غيابك ولا يعتني بثقة سلمتها له؟! إنه انكسار المعنى.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here