برامج تطوير الذات.. بين الواقع والخيال

أحمد الفقيه
أحمد الفقيه

ليس هناك أكثر صدقاً من النتائج العملية كمعيار ثابت لقياس مدى فعالية المفاهيم المنطوية على أي برنامج من البرامج. فأنت في الغالب لا تهتم بكمية المعلومات المقدمة لك ، بقدر اهتمامك بالأثر الذي تُحدثه تلك المعلومات على سلوكياتك ، وبالتالي هل سوف تتغير (سلوكياتك) تبعاً لتلك المعلومات أم لا. لكن يبدو أن النتائج العملية والأثر المترتب يحظيان دوماً بمراتب متدنية ولا يشكلان أهمية عالية لدى مرتادي برامج تطوير أو (تنمية) الذات، أو بعبارة أخرى، لا يكترث مرتادي برامج التنمية البشرية بالنتائج، بقدر ما يهم وجود مفاهيم (جذابة) تقدم الوعد بالتغيير.

ليس الهدف هنا التقليل من (عشاق) برامج التنمية البشرية، أو القدح في اهتماماتهم، بل بالعكس، أن كل سعي وراء التحسين المستمر للذات يحمل إشارة الى وجود رغبة في التطوير والانتقال لمراتب أعلى في الحياة ككل، وهذا أمر إيجابي ومطلوب. إنما القضية تختلف عن التطوير الشخصي الحقيقي أو الفعال، فهناك فرق كبير بين أن تتعلم (ما يمكن تطبيقه عملياً) وبين أن يتم حشو (رأسك) بمجموعة أفكار ومفاهيم (لا يمكن تطبيقها) إلا في المخيلة، والمخيلة وحدها.

ومعظم برامج التنمية البشرية التي يجري تسويقها سواءً عبر الكتب أو البرامج التدريبية، تتخذ بصورة مقززة التلاعب بمشاعر الإنسان منهجاً لها ، فهي تعده بالشمس في يمينه والقمر في يساره بمجرد إتباع طرق معينة من التفكير. بل أن تخيل الإنسان نفسه في مواضع معينة (من النجاح) كفيل بإيصاله للنجاح على أرض الواقع !! وهذا يخالف مدارس علم النفس جملةً وتفصيلا.

ولا تعترف معظم برامج التنمية البشرية بالفروقات البشرية، بل أن جميع الناس سواسية في نظرها. وما يتم طرحه من أفكار، يمكن للكبير والصغير والعاقل وغير العاقل تطبيقه دون (تمييز) للاختلافات بين الناس !!

وتمتلئ تلك البرامج بمفاهيم (خيالية) تجعل المستمع أو المتلقي يذوب شوقاً لها، ككلمة النجاح وعدم المستحيل والتطوير والتحسين والفوز وعدم الخسارة والتغلب على المصاعب والثروة والمال … ومفاهيم أخرى خلابة تخلب قلب الإنسان المسكين حقاً. لكن هل في مقدور المستمع أو القارئ أو المتلقي تحقيق ذلك من دون ممارسة حياتية؟ (وهو ما تسوق له تلك البرامج) أم أن كل ذلك مجرد وعود ؟

الواقع أن معظم إن لم يكن (كل) برامج التنمية البشرية قد أخفقت في تحقيق النتائج العملية على أرض الواقع، وإن كانت قد حققت انتشاراً مقطوع النظير، وهذا بلا شك عائد للإيحاء الذي تلعبه تلك البرامج، فمن منا يرفض فكرة النجاح أو الحصول على الثروة؟

إنني ألوم (عشاق) التنمية البشرية قبل لوم روادها، فهم سمحوا لأنفسهم بالانغماس في ملذات (الخيال) دون أن يسألوا أنفسهم كيف يمكنهم تحقيقها على أرض الواقع. لكن عليهم أن يعلموا أن لو في الأمر قيمة، لسبقهم عليه جهابذة علم النفس دون أن يكدحوا أو يعملوا في هذه الحياة.  

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here