قازان.. مشاهداتٌ ومسائلُ وتأريخ

عبدالعزيز قاسم
عبدالعزيز قاسم

ترقرقت دمعتان رغماً عني، وأنا أستمع لتلاوة عذبة لطفلة تتارية جميلة بعمر الخامسة، تتلوها علينا في مسابقة للقرآن الكريم في قازان قبل أسابيع، وانبجس السؤال في نفسي: كيف استطاع هؤلاء القوم، وعبر 500 عام من الاحتلال الروسي لبلادهم، أن يحافظوا على دينهم، لآتي من آخر الدنيا وأسمع هاته التلاوة الفصيحة؟، ولكأن الطفلة حفظت السورة التي ترتلها في مكة أو المدينة!

وجهها البريء يتألق بهاءً، والحجاب الأبيض الصغير الذي تلبسه؛ يزيدها وضاءة وروعة، وهي تمضي بسحر تلاوتها، تأسر منا القلوب، وأطالع لداتها خلفها؛ عشرات من الحافظات الصغيرات، بأحجبتهن البيض، فضلاً عن مئات من الطلبة الصغار الذين يتبعون مدرسة “عثمانية” لتحفيظ القرآن الكريم ، تدعمها رابطة العالم الإسلامي عبر الهيئة العالمية للكتاب والسنة، والتي تتواجد بتلك الأصقاع من خمسة عشر عاماً وأكثر، تعمل بكفاءة واعتدال، ورضا كامل من الأجهزة الرسمية هناك.

سقتُ السؤال لكثير من النخب الدينية والمفكرين هناك في تلكم الجمهورية التي تتبع الاتحاد الروسي؛ عن كيفية محافظة أجدادهم على دينهم، رغم مضي خمسة قرون كاملات من الاضطهاد الروسي القيصري والشيوعي، وكانت إجاباتهم تختلف، بيد أن من أهم الأسباب التي خرجتُ بها؛ هي المرأة التتارية، فقد كان لها دور عظيم في الحفاظ على الدين الإسلامي هناك، وهي التي كانت تحرص على تربية الأجيال على حفظ القرآن الكريم، والأدعية، بل كانت في بعض الأماكن هي من تقوم بالإمامة في المسجد؛ لأن الرجال عُدموا، إما قتلاً أو تهجيراً، ويذكر لي صديق عربي أكاديمي بأكبر جامعات قازان أن بعض زملائه  العلمانيين والشيوعيين التتر يقولون إنهم يتذكرون أن جدّاتهم علّموهم الفاتحة والسور القصار، وكيفية الصلاة وهم أطفال.

ربما تتعجبون بأن التعصّب العرقي كان سبباً أساسياً في الحفاظ على الدين الإسلامي هناك، فلكي يتمايزوا عن الروس “السلاف” الذين يدينون بالأرثوذكسية، وبسبب ما بينهم من عداوات وحروب طيلة القرون الماضيات؛  تمسّك أهل قازان بدينهم الإسلامي، وبالطبع ثمة أسباب أُخر، ولكن وعد الله تعالى بحفظ هذا الدين، هو السبب الأول في بقاء القوم –وغيرهم- على الإسلام .

اليوم تعيش قازان – التي كانت تسمى عاصمة الشرق والمدينة العذراء  لشفافيتها بالتعامل مع الناس، والتي تعتبر أبرد عاصمة إسلامية ببرودتها التي تصل أحياناً في شتائها إلى 40 تحت الصفر- فترة زاهية من الحرية الدينية التي لم تتمتع بها طيلة القرون الخمسة الفارطات، ما جعلني أتساءل عن إمكانية إعادة النظر في الفتاوى الفقهية القديمة، وأنا هنا أطرح ما اعتورتني من استفهامات كرجل إعلامي غير متخصص في الشريعة؛ حيال علاقة المسلم بالدولة الكافرة، إذ المسلمون اليوم في روسيا مثلاً، ينعمون بحرية دينية ومنعة وقوة، لا يتمتع بها المسلم في كثير من دول الإسلام، وأولها الجمهوريات الإسلامية التي استقلت في آسيا الوسطى كمثال.

نحتاج اليوم –برأيي- لدراسة مثل وضع المسلمين في تتارستان وغيرها من الدول التي تشابهها، وإعادة النظر وعصرنة الفتاوى القديمة التي تقول ببقاء المسلم تحت حكم الكافر، إذ كل تلك الفتاوى كانت بأزمنة حروب، واليوم يعيشون تحت ظل حكم علماني صرف، يتمتعون بالحقوق الكاملة التي يتمتع بها غيرهم، وليس من صالحهم اليوم أبداً أن يستقلوا، لا من ناحية دينهم أو معيشتهم أو بأسهم وقوتهم.

يحكي لي د. عبدالله أدهم، وهو نائب رئيس الأكاديمية الإسلامية في تتارستان، بأنه قبل أعوام قليلة، كان وفدُ حجيجٍ منهم في مكة، ورحلة طيرانهم في العودة كانت عبر عاصمة عربية، وحدث أن فاتتهم الرحلة التي تقلهم لموسكو هناك لتقصير من شركة الطيران العربية، واشتكوا لسلطات المطار التي أهملتهم، وتركتهم في حيرة، فصاحوا أننا سنبلغ الرئيس بوتين بما عاملتمونا. يقول لي د. أدهم أنه في خلال ساعة واحدة فقط، استنفر كل المطار، وحلوا مشكلتنا، ورحلنا، لمجرد التلويح لهم بإبلاغ رئيسنا.

أتصور ضرورة مناقشة مثل هاته الأوضاع الجديدة التي حدثت، وليس مثل المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الاسلامي جهة جديرة بأن تتصدى للمناقشة الصريحة، ونرى اليوم أن وضع المسلمين في كثير من الأقطار تحت حكم العلمانية أكثر فائدة لدينهم ولمعيشتهم، ولست بمفتٍ بل راصد وشاهد، ولكم أن تعرفوا بأن في قازان عام 1992م مسجد واحد فقط، واليوم تنعم ب81 مسجدا، و1535 مسجدا في الجمهورية.

وعلى ذكر الفتاوى، فمن الأمور العجيبة التي لا أنساها هنا في قازان، أن أحد أئمة المساجد يقول لنا بأنه احتار في مسألة سئل فيها من أحد مسلمي سيبيريا، حيث قال له السائل بأنه خرج للصيد، وأراد الصلاة، وليس هناك إلا الثلج بسمك مترين، ولا يستطيع الوضوء بالثلج لأنه سيتضرر صحياً، ولا يستطيع التيمم والوصول للأرض، فماذا يفعل؟. كان في الجلسة معنا الشيخ الأزهري الشاب د. حمدالله الصفتي، وأجابه بأن حكمه حكم فاقد الطهورين، فلا يلزمه التيمّم ولا الوضوء.

من المسائل العجيبة هناك قضية وقت صلاة العشاء، حيث إنهم لا يرون الشفق الأحمر في الصيف، فوقت العشاء لا يأتي عليهم. وهناك إشكالية أكل لحم الحصان، فهم أحناف، ومذهب أبي حنيفة لا يجيز لهم أكل لحم الحصان. وهناك الصيام الطويل في الصيف، حيث يصل ل21 ساعة، وسأناقشها بالتفصيل في كتابي عن زيارتي هاته بحول الله.

للمدينة العذراء قازان إسهام كبير في نشر الإسلام واللغة العربية بتلك الأرجاء البعيدة في أقصى الشمال الشرقي، ولكم أن تعرفوا أن مطبعة قازان لوحدها في الفترة ما بين 1853 ل 1863م، أي في غضون عشر سنوات فقط، طبعت ما ينوف عن 370 ألف مصحف، وأكثر من مليون كتاب باللغة العربية.

تحسرت وأنا أرى الآثار الإسلامية الكبيرة والعميقة الجذور، واستغربت مع المؤرخ الروسي فيرسوف، وهو يقول: “كانت مدينة قازان مركزاً ثقافياً مهماً تعيش في رخاء، وبعد احتلالها تمّ القضاء على تراثٍ إسلاميٍ عريقٍ وقديمٍ جمعه من قرون؛ التتار والبلغار، والغريب في الأمر أن هذا الحدث التاريخي -سقوط قازان- لم يأخذ ما يستحقه من عناية، ذلك أن سقوط قازان في أقصى الشمال الشرقي من أوروبا، لا يقل أهمية، على الصعيدين الديني والسياسي، عن سقوط غرناطة في أقصى الجنوب الغربي من أوروبا نفسها قبل ستين سنة”.

مركز الشرق قازان، تستحق أن يوليها باحثونا اهتمامهم لاستخراج الكثير الكثير من التاريخ الذي لم يُعرف منها.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here