هل أهل تتارستان اليوم أحفادٌ لتتار بغداد؟

عبدالعزيز قاسم
عبدالعزيز قاسم

وأنا مصطّفٌ، في طابور الآتين، بمطار قازان؛ أنتظر ختم الدخول لجمهورية تتارستان، كنت أتفرّس في سُحن المسافرين من رفقتي التتر، وألفيتهم خليطاً عجيباً،  بدّدوا كل ما انطبع في نفسي عن صفات تتر بغداد الذين ارتسموا في ذواكرنا بالتوحّش والبربرية.

وقتما أزمعت السفر لهذه البلاد، كنت أتصوّر أهل تتارستان بما قرأنا في كتبنا عن أولئك الذين دمّروا بغداد؛ قصارُ الطول، فُطسُ الأنوف، بأعين صغيرةٍ ممتطّة.

بيد أن مجموعةً ممن رأيتهم في المطار –ولاحقاً بداخل المدينة- قومٌ بهم طول، شقرُ الشعور، بأعين واسعةٍ جميلة، بينما أولئك المتوحشون الذين دمّروا عاصمة الرشيد، جاء وصفهم عبر كتب التاريخ؛ أن أكتافهم ورؤوسهم عريضة، ووجوههم مسطّحة بأنوفٍ صغيرة، وخدودهم ذات بروزٍ ونتوء، وغير مُشعِرين بأجسام ملساء، وألوانهم تميل للأصفر، بينما الذين أراهم اليوم في قازان غير ذلك تماماً، إذ أنوفهم شمّاء واقفة كأنوف أهل الجبال، ذوو حسنٍ وملاحةِ وجه، ونساؤهم على قدر كبير من البياض والجمال.

كتمتُ الاستفهامات الحيرى التي اعتورتني، وأسررتها بنفسي، بيد أنني عندما أتيت متحف مدينة “بُلغار” التاريخية، ورأيت رسوم ملكهم “ألمش بن يلطوار” والفرسان والوزراء حوله، وكانوا في ملامحهم أقرب للأوروبيين؛ صارحت مشرفة المتحف بهذه الحيرة، بين ما قرأنا من وصفٍ في كتبنا التاريخية، وبين هيئاتهم وأجدادهم، فأجابتني ببعض ما عندها، ولم أكتف، بل قمت –لاحقاً- بسؤال بعض النخب والمتخصّصين التتارستانيين بعدها في هذا اللبس.

كان سقوط بغداد نازلة وحدثاً عظيماً، إذ كان أولئك القوم الغزاة في غاية التوحّش، ويكفي أنك عندما تقرأ تأريخ تلك الحقبة الأليمة، تدهش أن كثيراً من المؤرخين كتبوا بأن الإسلام لن تقوم له قائمة بعدها، من فجيعتهم بما حدث، حتى إن مؤرخنا الشهير ابن الأثير قال في كامله: “لَقَد بَقِيتُ عِدَّة سِنِينَ مُعرِضًا عَن ذِكرِ هَذِه الحَادِثَة اسْتِعْظَامًا لَهَا، كَارِهًا لِذِكرِهَا، فَأَنَا أُقَدِّمُ إِلَيهِ رِجلًا وَأُؤَخّرُ أُخرى، فَمَن الذِي يَسهُلُ عَلَيهِ أَن يَكتُبَ نَعيَ الإِسْلَامَ وَالمُسْلِمِينَ؟ وَمَن الذِي يَهُونُ عَلَيهِ ذِكرُ ذلِكَ؟ فَيَا لَيْتَ أُمِّي لَم تَلِدنِي، وَيَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبلَ حُدُوثَهَا وَكُنتُ نَسيًا مَنسيًّا”.

كان الطاغية هولاكو –حفيد جنكيز خان- وجيشه، بلا قلوب أبداً، يقتلون من يرونه، لا يفرّقون بين امرأة ورجل ولا طفل ولا شاب ولا رضيع، ولكأنهم أمروا بإبادة العالم، بل والأسوأ أنهم بلا عهدٍ ولا ميثاق، إذ كانوا ينقضون عهودهم، بلا أثارةٍ من خُلقٍ أو فروسيةٍ ومروءة، وكانوا على ديانةٍ وثنية .

ولكن السؤال: هل تتار بغداد أولئك، وما جاء في صفاتهم، هم أجداد أهل تتارستان الذين أراهم اليوم؟

للجواب على ذلك، نبدأ من الخلط الكبير، بعدم التفريق بين المغول وبين التتار، إذ يكتب البعض وكأنهما عرقٌ واحد، وهذا خطأٌ كبيرٌ بتقدير بعض المؤرخين، فالصفات الآنفة التي ذُكرت في كتب تأريخنا، هي للمغول الذين عاشوا في شرقي منغوليا وغربي منشوريا، وقادهم جنكيز خان لاكتساح العالم وقتها، مبتدئاً ببلاد آسيا الوسطى وقتها، وهزم الملك خوارزم شاه، وأنهى الدولة الخوارزمية إذ ذاك، وكان هؤلاء المغول إن أتوا بلاداً دمّروها عن بكرة أبيها، وساقوا الأسرى معهم في الجيش، يضعونهم في المقدمة، يتترّسون بهم، ومن يرفض أو يرتدّ إليهم يُقتل مباشرة، فاضطر أهل تلك البلدان أن يتساوقوا معهم، وينخرطوا في جيوشهم، وهو ما حصل مع أهل مملكة البًلغار، الذين هم سكان هذه المنطقة التي أتحدث عنها.

أما التتار فهم قبائل من أصل تركي، لا منغولي، يسكنون في سهوب آسيا الوسطى، ولأن جيش المغول اتسع، بدخول الأسرى من بقية الشعوب التي قهروها، استطال الاسم وغلب على أنهم التتار، وزاد الاسم رسوخاً وتأكيداً، بإسلام هؤلاء المغول المتوحشين، حيث لم يمض سوى أقل من 50 عاماً من دخولهم بغداد، حتى دخل معظمهم الإسلام، وتفرّقوا في تلك البلدان والهضاب مختلطين مع سكانها.

قبل أن يموت جنكيز خان قسّم مملكته بين أبنائه الأربع، وكانت مملكة مترامية الأطراف من أقصى الشرق إلى حدود المنطقة العربية وحدود وسط أوروبا، وكان من نصيب ابنه “جوجي” منطقة روسيا والقفقاس، وكان من حسن الحظ أنه تزوج أميرة خوارزمية مسلمة اسمها “رسالة”، وهي التي أنجبت الملك المغولي المسلم “بركة خان”، ابن عم الطاغية هولاكو، الذي عاصره.

الملك “بركة خان” هذا، لم يأخذ حقه من تأريخنا الإسلامي للأسف، رغم أنه نشر الإسلام في قومه المغول، وحارب ابن عمه هولاكو وقهره ودحره، وانتقم للمسلمين منه، وقام بالتحالف مع الظاهر بيبرس والسلطان قلاوون، وخدم الإسلام كثيراً، وهو الذي قضى على مملكة هولاكو لاحقاً، وللأسف لكأن فجيعة سقوط بغداد أعشت المؤرخين عن دور هذا الملك المغولي المسلم العظيم، والذين سكن أحفاده هذا الجزء الذي نتحدث عنه، واستوطن بعضهم قازان، وتصاهروا مع أهلها.

كنت أسأل بعض أكاديمي الجامعة في قازان هناك: “وإن سلّمتُ بكلامكم، بأن أجدادكم كانوا من مملكة البُلغار، وأن بعض التتار –ذوي الأصل المغولي – من أحفاد هذا الملك الصالح “بركة خان” أتوكم وتزوجوا منكم، بيد أن التتار انتشروا في كل المنطقة، وتصاهروا واستوطنوا في معظم البلدان التي غزوها، حتى في بغداد والشام، فلماذا اختصصتم أنتم فقط بوصف التتار؟”.

رد عليّ د. عبدالله أدهم نائب أكاديمية “بُلغار” بأن هذه المسألة نوقشت لديهم كثيراً، وفي حقب زمانية مختلفة، بين العلماء والنخب المتخصّصة في التاريخ، وكانت لهم نظريات عديدة، ولكن المسألة الجوهرية فيها أن من كتب تأريخ تتارستان هم الروس، وبسبب العداوة التاريخية، كانوا يصفونهم بالتتار، تقليلاً من شأنهم واحتقاراً، بينما أجدادهم كانوا يتسمّون بالبُلغار أو القازانيين.

وساق لي د. أدهم أقوال العلماء الذين تعرّضوا لمسألة الاسم، فهذا أحد أبرز علماء قازان على الإطلاق، الشيخ شهاب الدين المَرجاني (1818 – 1889)، كتب يقول: “للأسف الشعب المعاصر حالياً لا يعرف تاريخ البُلغار، ولا مدينة البُلغار، ولا القومية البُلغارية، فللأسف لا يعرفون ذلك، وبعضهم يسمي نفسه لغي، ولمّا يلقبهم الروس بالتتار، يجيبون بأنهم ليسوا تتراً بل مسلمون، ويكرهون اسم التتر، والروس مصرّون على هذه التسمية، ويتعاملون بنفس الطريقة مع القوميات الأخرى.. وحتى لو لم تكن تترياً، وتحبُّ أو لا تحبُّ هذا الاسم، فهذا الاسم فيه فخرٌ، لأن التتر حكموا هذه المناطق بما فيها روسيا”.

طبعاً الشيخ المرجاني يفخر بالتتار على اعتبار أنهم مسلمون، ونكاية في الروس، ومن هنا غلب الاسم عليهم، وظُلموا عندنا، إذ لفظ التتري والمغولي مرادفٌ في أدبياتنا وذاكرتنا العربية للهمجية والتوحّش.

خلاصة القول: أهل تتارستان اليوم في معظمهم أحفادٌ للبُلغار، وكان اسمهم عبر تأريخ الإسلام “أهل قازان”، ولُصق بهم اسم التتار، بسبب الروس، وقبلوا بذلك عصبيةً وتمايزاً وديناً، فضلاً على أن جزءاً منهم ذوو أصول تتارية، وأن هيئات معظمهم يختلف بالكلية عن مغول بغداد، وهم شعبٌ كريمٌ مضياف أريحي، يبشّ ويهلل للضيف ويُكرم الغريب، وبلادهم جميلة جداً في الربيع والصيف، وقاسية في الشتاء.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here