زكى نجيب محمود.. عندما تتحول الفلسفة إلى ثقافة عامة

د. ماهر عبدالمحسن
د. ماهر عبدالمحسن

تظل مشكلة العلاقة بين الفلسفة والواقع، الفلاسفة والعامة من المشكلات التى تحتاج إلى مزيد من التأمل والبحث.  فكثيرا ما توصف الفلسفة بصعوبة الفهم والتحليق بعيدا عن الواقع، فضلا عن توجيه التهم إليها بالسفسطة والإلحاد وإفساد عقول الشباب، وهى التهمة التى حوكم بسببها سقراط ونال عقوبة الإعدام منذ قرون بعيدة وفى اليونان مهد التفلسف.

وإيمانا منا بضرورة الفلسفة فى ثقافتنا العربية باعتبارها أم العلوم التى تحمل فى طياتها الأسس النظرية الممكنة لكل العلوم والفنون والآداب، وكذا الأدوات المنهجية لممارسة النقد والتأويل وحماية العقل من الزلل، فإننا سنعمل دائما على استدعاء نماذج مضيئة من مفكرينا العرب الذين نجحوا فى تقديم الفلسفة بلغة سهلة وربطها بهموم الناس. ويعتبر دكتور زكى نجيب محمود من أبرز هؤلاء المفكرين الذين استطاعوا أن يحولوا الفلسفة إلى ثقافة عامة، فكيف تحقق له ذلك؟ هذا ما سنعرفه فى السطور التالية.

يحتل المفكر الكبير زكى نجيب محمود مكانة كبيرة على خريطة الثقافة العربية المعاصرة نظرا لإسهاماته الكبيرة فى إثراء الحركة الفكرية فى الوطن العربى، خاصة أنه كان يجمع بين الثقافتين، العربية والغربية، وظل مهموما لفترات طويلة من حياته بمحاولة التوفيق بين الثقافتين بحيث لا تطغى واحدة على الأخرى، وبحيث لا يأتى التوفيق مجرد جمع بين كتب على رف واحد.

عرفت زكى نجيب محمود فى ثمانينيات القرن الماضى عندما كنت طالبا فى كلية الحقوق وأتردد على المكتبة المركزية بكلية الآداب بجامعة القاهرة، وأذكر أن قراءتى لكتابه “حياة الفكر فى العالم الجديد” كانت سببا فى تحولى من دراسة القانون إلى دراسة الفلسفة، كما أذكر أن كتابات زكى نجيب محمود كانت تحظى بشعبية كبيرة لدى الشباب، حتى هؤلاء الذين لم يتخصصوا فى دراسة الفلسفة. وعندما بحثت عن السر فى هذه الشعبية، وجدت أنه يكمن فى الأسلوب والموضوع والرؤية.

فأسلوب زكى نجيب محمود يتسم بالصبغة الأدبية التى تعتمد على الخيال والمجاز والاستعارة بالرغم من أن المضمون يكون فى الغالب فلسفيا أو علميا، ومن هنا جاء لقب ”أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء”. وقد عبر عن أسلوبه هذا فى مقدمة كتابه ”الشرق الفنان” وذكر أنه سيتحدث إلى القارىء مباشرة بلغة بسيطة وواضحة، وأنه لن يلجأ إلى الهوامش والإكثار من ذكر المصادر والمراجع كما هى عادة الكتابة الفلسفية، بل إنه وصف أسلوبه فى هذا الكتاب باعتباره شيئا من قبيل السمر والتسرية عن القارئ. يقول ذلك رغم أهمية القضايا التى كان يثيرها وعمق التحليل الذى كان يقدمه.

وأهم ما يميز هذا الأسلوب هو أنه يبتعد عن المفاهيم المجردة والمصطلحات الجافة التى تحفل بها الكتابات الفلسفية التقليدية التى تتخذ الصبغة العلمية الأكاديمية شكلا لها. وفى هذا السياق يذكر أنه لا يحبذ البدء بالنظرية أو المذهب الفلسفى فى تحليله للظواهر الثقافية، لأن ذلك معناه تطويع الواقع للنظرية، وهذا من شأنه أن يقيد الباحث ويقضى على الموضوعية فى التفسير. ويضرب مثلا معبرا فى هذا الشأن، يبرز أسلوبه الأدبى البليغ من ناحية ويقرب الفكرة للأذهان بمنتهى الوضوح من ناحية أخرى، عندما يشبه صاحب المذهب بشخص يرتدى نظارة زرقاء ويحاول التعرف على حقيقة العالم من

حوله، والنتيجة الطبيعية أنه لن يستطيع أن يدرك العالم إلا على أنه ازرق اللون. وبدلا من ذلك، يعمد زكى نجيب محمود إلى الانطلاق من الواقع، من الظاهرة محل الدراسة كما هى عليه فى الواقع، ثم يتحرك من عناصرها الجزئية صاعدا إلى المفهوم الكلى الذى تندرج تحته.

وهذا ينقلنا إلى السمة الثانية المميزة لكتابات مفكرنا الكبير، وهى اختياره لموضوعات واقعية تمس حياة الناس، وتعكس قضايا الأمة وأزمة العصر، فى محاولة منه لتقديم الحلول الممكنة، أو إثارة الأسئلة وإلقاء الضوء على الأزمة على أقل تقدير. وتعتبر قضية “الأصالة والمعاصرة” واحدة من أهم القضايا التى شغلت زكى نجيب محمود، وعمل طوال حياته على حلها. ولأنه يجمع بين الثقافتين: العربية والغربية، ولأنه ليس لديه مشكلة مع التراث العربى (الأنا) ولا مع الفلسفة الغربية المعاصرة (الآخر)، فقد استطاع أن يصوغ الحل مستفيدا من كلتا الثقافتين، وأن يلتقط فكرة نيرة عثر عليها لدى الفيلسوف الإنجليزي هربرت ريد من خلال نظرته للتراث باعتباره طريقة أو أداة تصلح للتطبيق العملى على مسائل الحياة المعاصرة، وقد عبر عن هذه الفكرة فى كتابه ”تجديد الفكر العربى”. وبهذا المعنى ينبغى أن يكون لدينا القدرة على الاختيار من بين طرائق وأساليب العيش الماضية ما يناسب حياتنا الآن، ويصلح لنهضة الأمة  من قبيل إعلاء النزعة العقلية، واستبعاد ما من شأنه إعاقة هذه النهضة مثل شيوع الخرافة وطغيان العاطفة.

وتنقلنا هذه التفرقة بين ما هو وجدانى وما هو عقلى إلى السمة الثالثة التى تميز كتابات زكى نجيب محمود وهى امتلاكه لرؤية فلسفية واضحة ومحددة. فقد عرف عنه تبنيه للوضعية المنطقية، وهى مذهب فلسفى معاصر ظهر فى النصف الأول من القرن العشرين، يعنى بتحليل العبارات العلمية والفلسفية من أجل الكشف عن زيف القضايا الميتافيزيقية الكامنة فيها وتأسيس المعرفة على أرض صلبة قابلة للقياس والتحقق من مدى صدقها. وقد اجتذبته هذه المدرسة أثناء بعثته العلمية فى انجلترا، وذكر فى سيرته الذاتية “قصة عقل” أنه شعر بلمعة ذهنية أضاءت فى عقله عندما وقعت عيناه على مبادىء هذا المذهب وأنه إنما خلق لمثل هذا اللون من التفكير. وقد ظهر تأثير هذه المدرسة بوضوح أول ما ظهر فى كتابه المثير للجدل “خرافة الميتافيزيقا”، الذى ميز فيه بين العلم من ناحية وبين الدين والأخلاق والفن من ناحيه أخرى. وكان مبعث الهجوم عليه هو اعتباره وفقا للوضعبة المنطقية العبارات العلمية ذات الأساس المادى الملموس هى فقط ذات المعنى، دون العبارات الدينية والأخلاقية والفنية التى لا يمكن التحقق من مدى صدقها.

والحقيقة أن رد زكى نجيب محمود على هذا الهجوم فى الطبعة الثانية من الكتاب الذى حمل عنوان “موقف من الميتافيزيقا” وتمييزه بين ماهو فلسفى عما هو دينى وأخلاقى، إنما كان بمثابة الأساس الذى انبنت عليه معظم كتاباته اللاحقة خلال مسيرته الفكرية الطويلة الخصبة. فهو يميز بين ما هو عقلى موضوعى وما هو وجدانى ذاتى دون أن يفاضل بينهما، ويرى أن لكل إنسان الحرية فى اختيار الاتجاه الذى يرغب فى السير فيه، لكن دون الخلط بين المجالين، فلا يجوز للشاعر مثلا أن ينسب لأشعاره حقائق علمية باطنه، ولا يجوز للعالم أن يضمن أبحاثه نتائج تتأسس على الأساطير والخرافات غير القابلة للتحقق عن طريق التجربة المعملية. وبالرغم من اختلافنا مع مفكرنا الكبير، إلا أن الذى يعنينا فى هذا المقام إنما هو تلك الرؤية الكلية الواضحة التى ينطلق منها فى تحليلاته، وتلك الحركة الانسيابية المدهشة من الواقع إلى النظرية ومن النظرية إلى الواقع، وقدرته على صياغة السؤال وتقديم الأجوبة. فهو بحق فيلسوف الأجوبة الذى ينبغى أن نقتفى أثره فى زمن كثرت فيه الأسئلة وصمتت الفلسفة والفن والأدب والعلم، بينما وقف الدين وحده يمتلك شجاعة تقديم الأجوبة، ولا ينازعه سوى الخرافة التى حذرنا منها رائد الوضعية والعقلانية فى الوطن العربى.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here