سيبيريا.. بل مات ستالين وولّت الشيوعية

عبدالعزيز قاسم
عبدالعزيز قاسم

بشغفٍ وألم، كنت أتابع فيلم “العودة” الذي يحكي هروب مجموعة سجناء من معسكرات “الغولاغ” في سيبيريا إبان الحرب العالمية الثانية، والقصة حقيقية ما يجعلك تتابع باهتمام، وهي عن زوجين من بولندا، اتهم فيها الشيوعيون الزوج –ظلماً- بالجاسوسية، وأجبرت الزوجة على أن تشهد ضده، لنرى عبر الفيلم المآسي والفظائع اللاإنسانية التي كان عليها السجناء في ثلاجة الموت هناك، وهرب الزوج مع مجموعة من السجناء في رحلة طويلة قطعوا فيها الاتحاد السوفيتي من أقصى شماله لشرقه، في سبكٍ دراميٍ غايةٍ في المأساوية، تجعلُ عينيك تغرورقان بالدموع إن انسجمت بكليّتك مثلي في أحداثها، ومرّ الهاربون ببلدان عديدة في ظروف لا يتحمّلها أحد، حتى وصلوا الهمالايا، ومنها لكشمير حتى نجوا، وقد قضى نصفهم صقيعاً في سيبيريا المرعبة، أو عطشاً في صحارى منغوليا القاحلة.

ما الذي دعاني لسرد حكاية هذا الفيلم الذي أثرّ عميقا فيّ؟!

عندما جئنا “القرية الشرقية” في قيرغيزيا قبل 28 عاماً، وأنسَ بنا أهل القرية، كنا نجلس مع عالمهم الكبير الذي ينتهون لرأيه، الشيخ إلياس بن الحاج على الداغستاني، وكان وقتها في الثمانينات من عمره، وكان رجلاً عالماً وفاضلاً ذا حكمة ورأي حصيف، فسألناه عن قصته، بعد أن استبدّ بنا الفضول، بسبب أن الشيخ موسى الدرقيني أخبرنا أنّ الرجل عاش أسيراً في سيبيريا لخمس سنوات، في معسكرات “الغولاغ” المرعبة، التي هي عبارة عن معسكرات للعمل الإلزامي والسخرة، يتعرّض المقيمون بها لكل أشكال القمع والتنكيل، وضحاياها في عهد ستالين منذ عام 1929م إلى 1953م، حوالي 18 مليون سوفيتي، مات منهم قرابة خمسة ملايين شخص، وثمة رواية كتبها ألكسندر سولجينتسين بعنوان: “أرخبيل الغولاغ” كشف فيها المأساة التي كانت حاصلة في معسكرات السخرة، وهو الذي سجن فيها سبع سنوات.

لا أنسى ملامح وجه الشيخ إلياس في هدأة الليل تلك، وهو يقصُّ لنا بعض حكايته الأليمة، لذلك عندما شاهدت فيلم “العودة” قبل سنين قلائل؛ ربطتها به، واستحضرتُ مأساته، وعرفتُ أية ظروف قاسية عاشها هناك في المعتقلات الشيوعية، ورغم مضي ثلاثة عقود من السنوات؛ ما زلت أتذكر بعض ما قصّه علينا، وتأثرنا حينها من أحداثها، وأصررتُ في زيارتي الأخيرة قبل شهور على الذهاب لابنته، التي باتت عجوزاً في السبعين، والتي استقبلتنا في مجلس بيتها، وكانت كأبيها، هادئة الحركات، خافتة الحديث، متأنية الإجابة، كنت أطالعها وأتذكر ذلك العالم الحكيم يرحمه الله، وسجلتُ في ورقة بعض ذكرياتها عن أبيها، وانصرفتُ وأنا أتذكر وضاءة وحكمة ذلك الرجل، وجلوس قومه بين يديه بإجلال كبير، وحديثه لنا بالعربية الفصيحة، إذ كان أبلغ قومه بالحديث، وأخبرني الابن محمد بن موسى الدرقيني أنه ألفّ بعد رحيلنا عن تلك الديار كتيّباً، حكى فيه قصة حياته، وكان عنوانه السؤال: “ماذا رأيتَ في الشيوعية؟”، وطلبته من الابن محمد، وأكرمني به واستغرقتُ في قراءته بعمق وتركيز، كانت السطور تعيد لذاكرتي الكليلة بعض ما حكى لنا.

أسوقُ هنا في المقالة بعض فقرات ذلك الكتيّب؛ لتتبينوا بلاغة الرجل، رغم انقطاعهم عن بقية البلدان العربية لسبعين عاماً كاملا، ونوعية التعبير الذي كان سائداً إبّان تعلّمه العربية. بدأ المقدمة بقوله: “أما بعد: فإني زابر هذه الحروف، الشيخ إلياس الداغستاني، لما عشتُ على متن هذه الدنيا من عمري، البالغ الآن إلى النصف من العقد التاسع، الذي هو معترك المنايا، في فتن كالليل المظلم وبلايا، ومن جملتها الحربان العالميتان الأولى والثانية، وبينهما الانقلاب الروسي الشيوعي، التي أريقت فيها دماء الملايين من الناس، وخُسرت فيها الأموال الكثيرة، بلا فائدة ترجع على أحد، وعشتُ أكثر من سبعين سنة في الشيوعية، التي ما غمضت فيها العين إلا على القذى، وما جرع فيها الريقُ إلا على الشجى. سألني بعض طلبتي أن أكتب ما رأيت وما سمعت، وما مرّ عليّ في غضون ذلك الزمان، من عجائب الدهر وتصرفات العصر، وأكثرها في زمان الشيوعية، التي هي البلية العظمى على ابن آدم، وخاصة على المسلمين، بل على كل إنسان سويّ. ثم سألني ذلك من لا يليق ردّه ومنعه؛ فكتبت مجيباً لذلك ما بقي منها في ذاكرتي الفاترة وذهني الغبي، مستعينا من الله العلي..”.

عندما قررتُ –ورفقتي- المجيء وتعليم القرغيز أساسيات الدين الإسلامي، وهم الذين لا يعرفون الوضوء ولا الصلاة ولا الفاتحة؛ استعنا بكتب الدين والعربية لمقررات المرحلة الابتدائية لتساعدنا في تعليمهم، وحدث هرجٌ ومرجٌ في القرية بعد فترة، إذ كانوا شوافع أشاعرة، واعترضوا علينا في كتب التوحيد، ونحن غير شرعيين، إنما أتينا للدعوة والتعليم، فأسكتهم الشيخ إلياس واجتمع بنا، وبكل حكمة وبساطة قال لنا بأن الأولى جمع القلوب، ونحن نقدّر لكم مجيئكم لهذه البلاد، ونعرف غرضكم في تعليم القرغيز أساسيات الدين، فإن رأيتم أن تكتفوا بتعليمهم تلكم الأساسيات، دون الخوض في المسائل المختلف عليها، فهذا أدعى للقبول منكم، وهؤلاء القوم أحوج لهذا الأمر. الحقيقة وافقناه، وأجمعنا على أن رؤيته حكيمة، وشكرناه على لطفه وطريقته في مخاطبتنا، فالقوم لا يعرفون الصلاة، ومن الخطل أن نخوض في أشعرية وماتريدية وفرق، وهم لا يعرفون قراءة الفاتحة، ومضينا عبر خمس سنوات نعلّمهم أساسيات الإسلام من تلك التي لا تختلف فيها المذاهب الإسلامية، والحمد لله، أتى بعض طلبتنا للجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وجامعة الإمام، وعادوا يعلمون قومهم ببعض ما نهلوا من علم شرعي عندنا.

أعود معكم والشيخ إلياس إلى سيبيريا، وقصته بمنفى ستالين المخيف، وأنقل يومياته هناك في معسكرات البلاشفة (غلاة الشيوعيين) سيئة السمعة، حيث كتب: “وكانت برودة الشتاء أحيانا، تبلغ إلى 25-30 درجة تحت الصفر، وما يُلبس على الأقدام كانت أجربة شتائية من لبد، تبتلّ وتتشرّب من مُذاب الثلج والجليد، فتثقل بحيث كنا نحملها بجهد، حتى نصل إلى مأوانا في المخيمات المبنية على الأرض المنجمد في الغابات، بعد كسح الثلج وقطع الأشجار منها. وتلك المخيمات هي هياكل مهيأة من أغصان تلك الأشجار، ثم يلبس عليها كرابيس غلاظ تسترها، وكان ينجرُّ من تلك الأشجار المنجمدة؛ أسرّة ليبيتَ عليها المحبوسون، ويُفرش عليها شيئاً من الفرش إن وجد. فهم فيها نيامٌ كنوم الأرنب حين يصفه الشاعر بقوله:         

ينامُ بإحدى مُقلتيهِ، ويتّقي                    بأخرى المنايا، فهو يقظان  نائمُ

فهؤلاء الغرباء بعد مقاساتهم تلك الشدائد، يضعف حالهم يوما بعد يوم، حتى يؤول أمرهم إلى أن ينقضي أجلهم المحتوم، فيموتون في تلك الغربة، أو ينقضي أجلهم المحكوم، فينفلتون ويرجعون إلى أهلهم وأقاربهم، وهم القليل. وأنا -الحمد لله- صرت من هذه الفرقة الراجعين..”.

استقرّ هذا العالم الذي سَردَ في كتابه قصة تعلّمه الشريعة واللغة العربية من صغره في أرض الداغستان، حيث إن أباه كان يسمى شيخ الإسلام هناك، فقد كان عالما كبيرا من علماء تلك الديار، والشيوعيون قتلوه، وقتلوا غيره من علماء الشريعة بتلكم البلدان، وللأمانة التاريخية أنهم أيضا قتلوا القسس والرهبان، وحاربوا كل ما يمتُّ للأديان السماوية الثلاثة بكثير من العنف والجبروت، لذلك تكلم الشيخ إلياس عن حالهم –وحال المجتمع وقتها- إبّان حكم الاتحاد السوفيتي البائد، وقال: “لأن الشيوعية ليست على الفطرة الإنسية والإنسانية، بل هي أميل إلى الوحشية والحيوانية، وصار الناس فيها مقسومين إلى طبقتين: طبقة الأقلية الشيوعيين الممثلين للسادات في قديم الزمان، بيدها المعايش وأسبابها، نشيطين، رافعي الرؤوس بأنهم تحت حماية الروس، وبيدهم القدرة والغلبة، وطبقة أكثر الناس، ممثلين العبيد في العصور القديمة، مطرودين محرومين مذللين. وبذلك قعدتْ هممهم، وانطفأت قرائحهم، ونسوا حريتهم الإنسانية، ومزاياهم الشخصية. ففي بلاد غير المسلمين لا يُرى إلا شارب خمر ثمل، أو متناول مخدّر مائل، لا همّ لأحدهم إلا كسرات خبزٍ يأكلها أو حاجة شهوةٍ يقضيها، وفي البلاد الإسلامية ليس للإسلام فيها شعار، ولا لآثاره إلا خرابٌ ودمار، فلا صلاة لمن يصلّيها إلا في زاوية بيته، ولا قراءة لقارئ إلا بمخفي قراءته، معبدهم النادي، وذاكرهم المغني والشادي، مساجدهم مقفولة، وجمعتهم وجماعتهم معطلة، لأنهم لا همّ لأحدهم إلا “تْرُدَدِين” (أجرة العمل اليومي)، نسوا غيره من الدنيا والدين..”.

الكتيّب ممتعٌ لمن يرومُ معرفة أحوال المسلمين وغيرهم، وطرائق وأحوال معيشتهم في الحقبة الشيوعية السوداء عبر سبعين عاماً، وكنت شغوفاً بكيفية حفظهم الدين طيلة هاته العقود السبعة، رغم القسوة والجبروت والصرامة التي كان عليها البلاشفة وقتذاك، فحكى لي الشيخ إلياس كيفية تعليم أبناء القرية الكتب التي سبق لي ذكرها في المقالة الثانية من هذه السلسلة، والرجل عمل نجاراً ليكسب قوت يومه، وفي الليل يتفرّغ للتدريس في الأقبية، وكتب يحكي ذلك قائلاً: “واشتغلتُ بحرفة نجارة دواليبَ لعجلات تجرّها الخيل، المحتاج إليها السوخوز إذ ذاك أكيداً، لعدم وجود السيارة إذ ذاك. وشغلي كان ثماني ساعات في النهار، وأما أكثر ساعات الليل فكنت مشتغلاً بتعلّم وتعليم الطلبة العلومَ العربيةَ، ذلك الشغل الممنوع من جانب حكومة ستالين منعاً باتاً، وللاحتراز من اطلاع رجال أمن الدولة، الذين كانوا يفتشون عن مثل ذلك الشغل علينا؛ كنا نغلق الأبواب، ونرخي الحجب على النوافذ، ونتستّر في قعر البيت، لأنه كان من قانون حكومتهم حبس من اشتغل بمثل ذلك، أو وُجد في بيته شيءٌ مكتوبٌ بلسان العرب..”

لا تتسع السطور لذكر ما كتبه، وما كتبه ماتعٌ رائعٌ مشوقٌ، بيد أنني سأعود لفيلم “العودة” الذي بدأتُ به مقالتي، وكانت النهاية مشرقة بعودة الزوج لزوجته بعد خمسين عاماً من الغياب الكامل، في مشهد درامي مؤثر، يقطّع القلوب، وأقارن تلك الخاتمة بحكاية الشيخ إلياس هذا، فقد استطاع –بعد كل العمر الطويل- أن يحج بيت الله الحرام في أخريات حياته، واستقبله الشيخ العلامة عبدالعزيز بن باز يرحمه الله، وأوصاه بقومه، وأن يباشر التربية وتعليم الناس الدين، واستمع ابن باز لبعض قصص هؤلاء القوم، وعاد الشيخ إلياس يرحمه الله هانئ البال، مطمئن النفس، ومات في العام 2000 ميلادية، عن عمر ناهز ال92 عاماً، وشهد ميلاد وموت الشيوعية التي حبسته وأذاقته الويلات والعذاب في سيبيريا، وحضر جنازته جمع غفير، بعضهم جاء من مسافة 5000 ميل من داغستان.

لا أنسى –يرحمه الله- عندما رآنا لأول مرة بأعمارنا الصغيرة، كأول سعوديين يأتيان قيرغيزيا و”القرية الشرقية” الوضيئة بالإيمان بعد الاستقلال، كمية الفرحة التي تلبسته، والدموع التي لمعت في عينيه، وقد شعتا برسالة تقول: “الحمد أني بقيت لهذا العمر.. لم يمت الإسلام، بل مات ستالين وولّت الشيوعية”.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here