“ألابا”.. مدينة أغوات الحرم

عبدالعزيز قاسم
عبدالعزيز قاسم

توقفت وأنا أعدّ كتابي الجديد “الطريق إلى بلاد النجاشي أصحمة” عند فصل، أعدت قراءته مرات عديدة، إذ ثمة ما يعيدني لطفولتي، ذلك أنني في جولتي في أثيوبيا قبل عشر سنوات، مررت في أقصى الجنوب بمنطقة اسمها (ألابا)، وحكى لي أكثر من واحد؛ أن بعضاً من أهل هذه القبيلة عاش في مكة المكرمة والمدينة المنورة حرّاساً للحرمين..

كانت ردة فعلي أن قوّست حاجبيّ دهشة مما يقول، وقلّبت ذاكرتي فلم أجد سوى العسكر السعوديين بزيهم المعروف، فضحكوا وهم يقولون: “ألم تسمع عن أغوات الحرمين؟!”.. فزالت الدهشة من ملامحي، واستبدلتها بابتسامة وذكرى، حيث عادت الذاكرة لأولئك الفضلاء الأطهار من ذوي البشرة السمراء، وهم يفرّقون بين النساء والرجال في صحن الطواف بالحرم المكي أيام طفولتي في السبعينيات الهجرية، وكانوا يتميّزون باللبس قريب الشبه بالجلابية النوبية، أو ما يطلق عليه عندنا بـ(الدقلة)، كانت بيضاء وأنيقة جداً، وقد تمنطقوا بأحزمة كشميرية، ووضعوا –زيادة في الأبهة والأناقة- (شال صوفي) برتقالي اللون على الكتف، وتكتمل زينتهم بتلك العمائم أو الطواقي البيضاء شبه المخروطية، وكثير منهم تميّز بالطول الفارع، متكئين على عكازات ربما لا يحتاجونها، ولكنه من فرط الزينة والأبّهة التي يحرصون على الظهور بها، فهم خدم بيت الله الحرام، وكذلك مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

عندما حاورت بعض وجهاء مدينة (ألابا) حول قصة هؤلاء “الأغوات”، وسبب مجيئهم للحرمين، قالوا لي بأنه سكن في هذه المنطقة -قبل تمكّن الإسلام فيها- قبيلتان هما: (ألابا) و (أورومو)، وكان الفتى منهم إذا بلغ الحلم، وأراد أن يثبت رجولته يقوم بالختان أمام القبيلة بطريقة مؤذية ومؤلمة، وإذا ما أراد الزواج وأحبّ أن يثبت بطولته وقوته؛ يذهب للإغارة على القبيلة الأخرى، ويأسر أحد الذكور، فيقوم بخصيه أمام رجال قبيلته، فيُشهد له هنا بالشجاعة والفتوة، ويُوهب له أجمل فتاة في القبيلة ليتزوجها، وقد تُركت الآن هذه العادة وتوقفت. وعندما تكاثر هؤلاء الخصيان، جاء أحد أكبر زعماء قبيلة (ألابا) وهو الشيخ مكي ابن السيّد علي والذي كان يحج سنوياً، فأهدى هؤلاء الخصيان للحرمين. ومثل ذلك كان يحدث في المنطقة الشمالية في إثيوبيا سابقاً.

عندما عدت للتنقيب في بعض كتب التأريخ التي تحدثت عن هؤلاء؛ ألفيت أن معظم الروايات تقول بأن تأريخ “الأغوات” يعود لفترة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه، فهو أول من وضع خدماً للكعبة المشرفة من العبيد، أما أول من اتخذ الخصيان لخدمة الكعبة فهو يزيد بن معاوية، وأول من رتب “الأغوات” في المسجد الحرام هو أبو جعفر المنصور، وأيضاً ليسوا كلهم من الحبشة. بالنسبة للمدينة المنورة أول من اتخذهم لخدمة مسجد الرسول صلى الله عليهم وسلم هو السلطان الأيوبي صلاح الدين. ومن بعدهم؛ كان الملوك يخصون العبيد ويرسلونهم كهدايا لخدمة الحرمين الشريفين وأيضا بيت المقدس، ولكن الأخيرة انقرضوا من فترة طويلة، وتوقفوا عن الخدمة فيها.

أما لفظ “آغا” فهي أعجمية مستعملة في اللغات التركية والكردية والفارسية، فعند الأكراد تطلق على شيوخهم وكبارهم، وعند الأتراك تطلق على الرئيس والسيد، أما في الفارسية فتطلق على رئيس الأسرة. طبعا انتشرت وأخذت في الاستعمال الشعبي في كثير من الدول العربية، فكانت مع  الدولة العثمانية التي أطلقت لفظ “آغا” على الشيخ أو السيد وصاحب الأرض ورئيس خدمة البيت، وكان كثير من خدم الحكومة في الوظائف العسكرية يلقبون بكلمة “آغا”، وكانت تطلق أيضاً على الخصيان الخدم في القصر، وقد توسّع في ذلك سلاطين آل عثمان بما تذكر كتب التاريخ. ومن هنا أطلق اللقب على هؤلاء الخصيان الذين يخدمون في الحرمين الشريفين.

وقرأت حواراً صحافياً قبل عامين مع رئيس هؤلاء “الأغوات”، وقد انتهى عددهم اليوم إلى ثمانية فقط بسبب عدم استطاعتهم التناسل، فهم خصيان، ومن جهة أخرى توقفت تلك العادة الشنيعة التي قرأنا عنها، وأيضاً في المناطق الأخرى التي كان أهلها يتعمّدون إخصاء الأطفال لتوفيرهم للخدمة في بيوت السلاطين والحرمين. وتحدّث الرجل عن شروط الانضمام لهم بقوله: أن يكون مخصياً، وأن يقبل تطبيق نظام “الأغوات” عليه، وأن يرابط في الحرم سبعة أعوام متواصلة بناء على جدول المناوبة، وأن يؤدي واجبه على أكمل وجه، وأن يطيع أوامر رؤسائه، وأن يتمتع بصحة جيدة.

وكانوا يستقدمون في السابق، أما في الوقت الحاضر لا يوجد استقدام لـ”أغوات” جدد، وآخر “آغا” تم تعيينه بهذا المنصب كان في عام 1979م.

عندما سئل رئيس “الأغوات” عن طريقة زواجهم، قال بأنه في الماضي يشتري “الأغوات” الجواري والإماء ويملّكون عليهن، ولكن بعد إلغاء الرقّ؛ بدؤوا يتزوجون. ليس من أجل العلاقات الجنسية فهي معدومة لديهم، ولكن من أجل أن ترعى شؤونه إن مرض، ويَعقد عليها بعقد نكاح شرعي، ويقول لها: “املكتُ عليك مكحلةً بدون مِرْوَد”، فهي لديها المكحلة، أما المِروَد فهو لديه لكنه معطّل.  ويتزوج “الآغا” أحياناً من خارج المملكة، ويحضر زوجته معه، وفي حال كان لها أولاد من زواج سابق؛ يحضرون إلى المملكة بتأشيرة خدم، ويربيهم “الآغا” كأنهم أولاده.

كان “الأغوات” يعيشون في رفاهية كبيرة بسبب الأوقاف الكبيرة التي خصصها الملوك لهم، وعندهم مشرف لهذه الأوقاف يصرف منها عليهم.

“أغوات” الحرمين ، تاريخ قديم انتهى قبل سنوات، والحمد لله أن انتهت عادة “الاخصاء” الشنيعة غير الإنسانية.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here