ماذا يحدث إذا تأخر راتبك؟

أحمد الفقيه
أحمد الفقيه

لستُ جيداً في حبك القصص الخيالية، ولكن تصور أن راتبك يتوقف لمدة شهر واحد فقط. أي أن يأتي صباح السابع والعشرين دون أن تتلقى رسالة إيداع الراتب، كيف تشعر حينها؟ بالطبع ستكون حالتك حالة، وسوف يتجه ذهنك مباشرة إلى التزاماتك الشهرية وجدول مصروفاتك المعتاد، وكيف يمكنك الوفاء بالمتطلبات الكثيرة الأخرى، المنزل والأطفال والسائق والخادمة والقرض الشخصي والقرض العقاري وقطة الاستراحة والجمعية الشهرية والبقالة والمغسلة إلخ…

الموقف صعب جداً، خاصةً إذا لم تكُن من الناس الذين لديهم (PLAN B)  .. أو كنت من فئة المتعففين الذي لا يسألون الناس شيئاً ولو كان بهم خصاصة. ولكن لو شاء القدر أن يضعك في تلك المعضلة سوف أقول بأنك أفضل حالاً من ذلك الذي يحيا بأجرٍ متدنٍ لا يكفي عيشه الأساسي ومع هذا يعلم بأن رسالة الراتب لن تأتي في صباح السابع والعشرين.  

قد تتصورني شخص مبالغ إذا قلت لك أن مئات العاملين السعوديين يعيشون هذه المعضلة الاقتصادية بصورة متكررة، ويتقدمون للمحاكم العمالية بشكاوى ضد شركاتهم لعدم استلامهم رواتبهم لشهر أو لشهرين أو ربما أكثر. وقد تتصورني شخص مبالغ أيضاً إذا أخبرتك أن معظم من يتقدمون بالشكوى تتراوح رواتبهم من ثلاثة إلى خمسة آلاف ريال في الشهر. أي علاوةً على تدني رواتبهم التي من المؤكد أنها تذوب عندما تلامس التضخم الهائل لأسعار السلع والخدمات، يواجهون شراسة الشركات التي تمارس أعلى مستويات فنون المماطلة، أو وربما تلك الأخرى التي تتفوق في مسألة البحث عن الأغطية القانونية للهروب من دفع المبالغ المستحقة للعاملين.

إنني حقاً لا أبالغ، فبإمكانك إلقاء نظرة سريعة على مجموعة القضايا والشكاوى التي ترصدها المحاكم العمالية يومياً. وهي بالمناسبة ضمن البيانات المفتوحة التي تنشرها وزارة العدل لعامة الناس.

بيت القصيد .. يقول أن المادة 94 من نظام العمل تنص على أنه (إذا ثبت لدى المحكمة أن المدعى عليه لم يدفع للعامل لديه الأجر في الوقت المستحق مماطلة ودون أي مسوغ أو مبرر مشروع؛ أوقعت عليه غرامة مالية بما لا يتجاوز ضعف الأجر المتأخر). بمعنى يا سيدي القارئ أنك إذا لم تتسلم راتبك في الوقت المستحق، سوف تلجأ للمحاكم العمالية لترفع شكوى ضد الشركة التي تعمل لديها، وسوف تنتظر موعد الجلسة، وسوف تقضي ربما أضعاف مدة تأخير رواتبك حتى يُحكم لك بأخذ رواتبك المتأخرة. وسوف تفرض المحكمة غرامة مالية على الشركة التي تسببت في تأخير راتبك، ولكن تلك الغرامة لن تذهب تعويضاً لك على مأساتك، بل ستذهب لصندوق التنمية البشرية لاستثمارها في دعم توظيف المواطنين في القطاع الخاص. لا تعليق !!

إنني لا أتفهم (شخصياً) على الأقل  كيف يذهب التعويض المالي لجهة لا تمت لطرفي القضية بصلة؟ ثم كيف تنشأ تلك الغرامات المالية بسبب عامل لم يتقاضى رواتبه لتذهب تعويضاً لغيره؟ وهل صندوق التنمية البشرية أحق بها من ذلك العامل المتضرر؟

ومع كل هذا فإن المحاكم العمالية لم تكلف نفسها بإعادة النظر في مسألة تأخير الرواتب وأحقية العاملين في تعويضهم عن الأضرار الاقتصادية والمعنوية التي تلحق بهم جراء مماطلة الشركات في دفع مستحقاتهم. ثم ما الفائدة من الشكوى والركض خلف الشركة المماطلة لمدة قد تصل لأضعاف مدة تأخير الرواتب إذا كان العامل في نهاية المطاف لن يحصل سوى على مستحقاته المتأخرة فحسب؟

إن هذه المشكلة تستدعي إعادة النظر إلها من جميع زوايا الضرر الناتج عنها. فالتعامل الراهن لها من قِبل أنظمة العمل والمحاكم العمالية لا يعالج أبعادها الاقتصادية ولا المعنوية ولا الردعية كذلك، وبالتالي فهي بانتظار العلاج والحل.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here