الفلسفة والواقع.. الفن والأخلاق.. حوارت لا تنتهي

د. ماهر عبدالمحسن
د. ماهر عبدالمحسن

منذ بدأت كتابة سلسلة مقالاتى حول الفلسفة وإشكالياتها وقضاياها، وأنا أحرص على الربط بين الفلسفة وبين الواقع من أجل تقريب المسافة بين الكتابة الفلسفية والقراء غير المتخصصين. فكتبت عن الفلسفة بوصفها ثقافة عامة، والكيفية التى ينبغى أن نكتب بها الفلسفة للقارئ العادى، وعلاقة الفلسفة بالأدب، وبالفن، وبالدين، وبالإعلام، وبالسياسة، وبالأخلاق.

وبفضل الله لاقت هذه المقالات صدى طيبا لدى القراء، الذين حرصوا على التعليق على المقالات بأساليب كشفت عن تمتعهم بعقليات مستنيرة، وقدرات عالية فى التعاطى مع أطروحات الفكر وتفاعلات الواقع. وقد جاءت إسهاماتهم من الخصوبة والعمق بحيث مثلت إضافة كبيرة للمقالات، عمقت الأفكار، ووسعت الآفاق، وفتحت الباب على المزيد من الجدل والحوار.

 وإيمانا منا بضرورة إعلاء قيمة الحوار، نعرض هنا لإثنين من أهم الإسهامات البارزة، التى تلقيناها حول مقالاتنا السابقة: مقال الأستاذ أحمد حمدى تعليقا على مقالنا ”زكى نجيب محمود.. عندما تصبح الفلسفة ثقافة عامة” المنشور بصحيفة ”أنحاء” بتاريخ 22 يناير 2019. ومقال الأستاذة آيات البنا تعليقا على مقالنا ”أخلاقيات الدراما فى السينما والتليفزيون” المنشور بتاريخ 5 مارس 2019. وذلك على النحو التالى:_

1- تعليق على مقال ” زكى نجيب محمود.. عندما تصبح الفلسفة ثقافة عامة”

أحمد حمدى

أخى الكبير الكريم وأستاذى الفاضل د. ماهر عبد المحسن المقالة رائعة،  كفى أنها تذكرنا بزكى نجيب محمود رائد الوضعية المنطقية وأستاذ الفلسفة بالجامعة المصرية، ولكن اعذرنى أستاذى الفاضل. إلى متى يظل الجهد العربى فى الفلسفة جهدا فى الوكالة ونقلا للمذاهب الفلسفية الغربية بحذافيرها؟ وإلى متى يظل المفكر موظف يحتل درجة أستاذ جامعى؟ من أيام وانا قبل النوم اتذكر عنوان كتابه ”خرافة الميتافيزيقا” حتى لا أخاف من العفاريت والخرافات قبل أن أنام.

 إن أى هجوم على الفلسفة يستفزنى لأن أرد، وأنا أرد على عنوان المقالة والمقدمة الافتتاحية ”عندما تتحول الفلسفة إلى ثقافة عامة” ألا تعتبر معى أن هذا العنوان تحصيل حاصل؟ أما المقدمة “تظل مشكلة العلاقة بين الفلسفة والواقع، الفلاسفة والعامة من المشكلات التى تحتاج إلى مزيد من التأمل والبحث . فكثيرا ما توصف الفلسفة بصعوبة الفهم والتحليق بعيدا عن الواقع ، فضلا عن توجيه التهم إليها بالسفسطة والإلحاد وإفساد عقول الشباب ، وهى التهمة التى حوكم بسببها سقراط ونال عقوبة الإعدام منذ قرون بعيدة وفى اليونان مهد التفلسف.” العنوان وهذه الفقرة الافتتاحية بالتحديد تستفزنى لأقول:

يعمل الفعل البشرى الإنسانى (السلوك أوالتصرف أو ردود الفعل والاستجابات ) بآلية تميزه عن أى نوع من الفعل أو السلوك. فهو يمر بتروس ثلاثة: هى الفكر (المعرفة ) ثم الشعور ( الوجدان ) ثم أخيرا الفعل ( السلوك ) ، لذلك فالسلوك الإنسانى مسبب وغائى وقصدى،. هذه مسلمات فى علم النفس الانسانى فلا فعل بلا فكر يتحكم فيه، ولا فكر ولا فعل بلا شعور يتحكم فيه ويصاحبه. فالفكر محتوى أساسى للوعى الإنسانى ، أما إذا انتقلنا للفلسفة، فما هى إلا فكر وفكر خالص، يتفاعل مع مكنون الفكر فى الوعى الانسانى، يؤثر فيه ويتأثر به، ومن ثم فالفلسفة لها دورها ووزنها فى السلوك الإنسانى، الذى هو أحد أهم مفردات الواقع الإنسانى، بل مفرد جوهرى. إذن فالعلاقة آليه بين الفلسفة والواقع، لا واقع بلا إنسان ولا إنسان بلا فعل، ولا فعل بلا فكر، ولا فكر بلا محتوى فلسفى إنسانى،  والفلسفة ليست علما وليست تخصصا أكاديميا. الفلسفة مذاهب ومدارس وتيارات، ولا اتفاق فيها إلا على كونها فكرا حرا، والإنسان وحده هو الذى يتحكم فى اختياره الفكرى الذى سيتحكم فى سلوكه، فهى أى محتوى فكرى قابل لأن يكون فلسفة. قد تقل جرعه التنظير أو تزيد، إلا إن لكل منا فلسفته الخاصة المتحكمه فى تصرفاته وسلوكاياته، أنا لا أتخيل أناسا يعتقدون أن الفلسفة فى جانب والواقع فى جانب آخر، ولا اتخيل اناسا يعتقدون أن الفلسفة تخصص أكاديمى علمى لا سبيل للولوج اليه وفهمه. ما جعل الفلسفة أكاديمية ظرف تاريخى شكله تاريخ الاستبداد والقهر الانسانى، فعندما نشأت الفلسفة الأخلاقية فى السوق الأثينية وظل سقراط يهز بفكره الفلسفى ويفكك السلوك الانسانى ويسأل السالكين عن اهدافهم وغايتهم من سلوكهم ، أى أنه يدعو لحرية فردية فى التفكير دون أى وصاية عليها ضر ذلك بالاوصياء على الفكر وهم رجال الدين والسياسة فعاقبوا سقراط ، فاضطر تلميذه افلاطون للاختباء فى الأكاديمية والبعد عن السوق ، الأكاديمية يحدث بداخلها تفكير حر ولكنه منعزل عن المجتمع ، خلاصة القول إن الاكاديمية ليست أصل فى الفلسفة

وأن المدارس التى تقسم البشر إلى صفوة وخاصة وعامة وتريد إلجام العوام عن الخوض فى علم الكلام، مدارس عنصريه لا تستأهل منا عناء التوقف عندها والبحث فيها، فالعقل أعدل الشياء قسمة بين الناس. ولقد خلصنا ميراث التنوير من هذه الرؤية الطبقية فى الفكر، وأصبح الفكر أحد حقوق الإنسان، وحريته مكفوله للجميع، وأكررر للجميع الا اذا كان فكرا مستبدا بطبعه يريد التحكم فى حرية وأفكار الأخرين .

هذا دور الفلسفة للرجل العادى ورجل الشارع والرجل الاخضر وسوبر مان، لا حياة إنسانية دون محتوى فلسفى كامن وراء الفكر الذى لا سلوك انسانى يتم إلا عبره وبآلياته، فهو مكون للوعى الفردى.  ولا وجود لفلسفة أكاديمية، تلك خرافة.

ثنائية الفلسفة والواقع أو الفلاسفة والعامة، ثنائية وهمية من صنع الاستبداد فى تاريخ الفلسفة، وهى قضية زائفة لا علاقة لها بالواقع.

ووصف الفلسفة بصعوبة الفهم، فذلك لأنها لا تعمل إلا فى جو حر، وستكون عند ذلك بسيطة وبسيطة جدا، لكن ما يجعل الفيلسوف يلغز هو خوفه من الاستبداد والقهر والتضييق على الحريات من رجال الدين والمجتمع والسياسة. والبعد عن الواقع ما هو إلا جنوح تأملى فى بعض مذاهب الفلسفة قد يضطر البعض لاختياره لأسباب ودوافع معينة، والسفسطة اختيار والإلحاد اختيار ، وإفساد عقول الشباب اختيار للشباب انفسهم.

2- تعليق على مقال ”أخلاقيات الدراما فى السينما والتليفزيون”

آيات البنا

إسمح لي بإبداء الكثير من الشكر والتقدير لمقال دخل موضوع شائك، علاقة الفن بالأخلاق.. وأتقن معالجته بإمتياز في حكبة جمعت بين ميدان الفلسفة والمنطق والفن…تقرأه بسلاسة رهيبة لا تشعر بصعوبة وتعقيد المصطلحات الفلسفية والمنطقية المستخدمة في هذه الميادين.. أنا أحييكم على براعة قلمكم الذي حفظ حق الفن في التعبير عن جماليته، وحق الأخلاق التي لا تستطيع أن تتخلى عن دورها التقييمي، وإطلاق الأحكام فيما ينبغي أن يكون…

ومن أبرز ما لفتني العروج نحو مفهوم ” الضرورة الفنية”..هل من الضروي تصوير المشهد العاطفي بشكل مباشر؟.. ألا يمكن للفن أن يُحاكي الواقع بصور إبداعية خلاقة ترفع حالة الوعي الإدراكي الذوقي عند المشاهد؟!

لأننا بتنا نعاني من فساد في ذائقة الأجيال لمعاني الحب والجمال،  بات التعبير عنها يحمل من الفجاجة والقبح أكثر من الواقع السيء الذي نعيش..

البعض تبنى شعار محاكاة الواقع حتى بات الفن في السينما يُصدر العنف والقبح ويتجاوز وينافس الواقع في ذلك، ولا أتكلم هنا على السينما العربية بل هي تُقلد السينما الغربية رغم أن علينا الإعتراف بأنهم متفوقون بمراحل ضوئية في هذا الفن.. ونحن حين نقلدهم لا نأخذ الجميل الإنساني من إنتاجهم الحضاري.

* نقدكم الرائع لفرضية “المخرج عايز كدا” ذكرني بكلام لإحدى الممثلات الغربيات التي اشتكت مرةً من أسلوب مخرج أجنبي في أنه يُقحم بعض المشاهد في الفيلم التي يستطيع أن يتخلى عنها، بل يُصر على أن يتواجد بنفسه ويطلب تفاصيل يجب على الممثلين تجسيدها دون اعتراض، فهو المخرج!

هذه الفرضية تُعيدنا للسؤال الذي بدأته في المقال. أنا لا أرى تعارض بين الاخلاق والفن نستطيع التوأمة بينهما ، لكن علينا أن نسأل المخرج أي مدرسة أخلاقية فلسفية تتبنى؟! وأي مذهب فني تتبنى؟! فالسلوك يسبقه فكر، والمدارس الفكرية الفلسفية شتى و واسعة، والموازين تختلف بينهما.

أشكر حرفكم الواعي الذي لم يتركنا ضائعين في ظل هذه التساؤلات الفلسفية المعقدة، بل منح لنا مصداق واقعي وأشرتم للتجربة السينمائية الإيرانية المميزة التي حصدت جوائز أوسكار واستطاعت التوأمة بين الفن والأخلاق وهي ليست مسألة سهلة ..أذكر مرةً مقابلة لفنانةإيرانية، وهي تأخذ جائزة الأوسكار، عبرت عن صعوبة التمثيل بتبني قرار التوفيق بين الأخلاق والفن، قالت:( أنا دوري في الفيلم أم تحتاج إلى عناق والدها العائد من السفر ولم تراه من مدة طويلة، الأسهل أن أعانقه، لكن غير جائز شرعًا، فكان علي أن اجسد الشوق والمشهد بعيني!!) فكم هذا صعب، لكن بديع في آن، يُحفز الفنان أن يُخرج قدراته الفنية المختبأة، ويعصر ذاته لينتج رحيقا مميزًا يختلف به عن الآخرين، واعتقد أن هذا هو سر تفرد السينما الإيرانية، الذى جعلها تُنافس في مصاف الأفلام الغربية رغم الإختلاف الأيديولوجي والسياسي العميق بينهم وبين  الغرب.

برأيي نستطيع تقديم فن جميل إنساني، لا يتعارض مع الأخلاق والدين، لكن هذه مسألة صعبة وأقدر معاناة المخرجين الذين يتبنون هذا الطريق الصعب، لكنهم يلفتون انتباهي أكثر من الذين يسلكون الطريق السهل في الفن، لأن الفن المتميز هو من يُحاكي الواقع ويعلو عليه في آن..

خالص امتناني وشكري أستاذي القدير وشكرًا على المشاركة. أنا اتابع مقالاتكم بأهمية، فحضرتكم تحملون فكرًا مستنيرًا وقلمكم بارع في معالجة ونحت القضايا بحق. تعلمت الكثير من قراءتكم خاصة في هذا المقال الرائع، فهذا هو دور الفلسفة الحقيقي معالجة قضايانا الواقعية الحية التي نُعاصرها..خالص شكري وعرفاني لمقامكم. لكم كل التوفيق ومزيد من الإبداع والتميز لنستزيد من نور علمكم.

وأخيرا لا يسعنى إلا أن أشكر الأستاذين الفاضلين على مقاليهما المتميزين، فقد حاول الأستاذ حمدى ربط الفلسفة بالواقع عن طريق الوعى وآليات التفكير، وحاولت الأستاذة آيات ربط الأخلاق بالفن عن طريق الأيديدلوجيا والمعتقد، واتفق الإثنان على أن الفكر والمعتقد يسبقان السلوك، وأن العلاقة بين الأولين والأخير ينبغى أن تكون واضحة وحرة الحركة، حتى يمكن إصدار أحكام عادلة على الظواهر الفلسفية والواقعية، الأخلاقية والفنية.. وهى مسائل تحتاج إلى مزيد من التأمل والبحث والدرس.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here