بر الوالدين ليس عبادتهم !

مها فهد
مها فهد

في موروثنا الديني والاجتماعي الكثير من المفاهيم التي تعاملنا معها بطريقة خاطئة ومن أهم هذه المفاهيم وأكثرها ( تجليّاً في الخطأ ) مفهوم بر الوالدين .

سمعت شخصاً معروفاً في أحد البرامج التلفزيونية يقول ( اللهم اجعل عمري خاضعاً تحت أقدام والديّ ) !

استوقفني حقاً هذا الدعاء وجعلني أُفكّر مليّاً في الطريقة التي تعلمنا بها كيفية التعامل مع الوالدين وكيف أن الحياة بأسرها تتوقف على هذه الطريقة وأنك مهما فعلت من خير لكن أحد الوالدين لا ترضيه الطريقة التي حددت مسار حياتك بها إذن أنت شخص عاقّ وحياتك لابد أن تكون مُدمّرة ولا بد أن تكون خائف طوال الوقت طالباً لرضاه ( الذي لم يأمرنا الله به )

الوالدين يرون أن من حقهم التدخُّل والتصرُّف في حياة أولادهم في حين أن هذا ليس من حقهم على الإطلاق ، الوالدين لا يملكون أولادهم ولا ينبغي لهم ذلك لكن فهمنا الخاطئ لمفهوم البر هو الذي أدّى بنا إلى إلغاء ذواتنا والقيام بتضحيات عظيمة تُنسينا أن نعيش في سبيل أننا نريد البر بوالدينا .

أن أعيش حياتي بالطريقة التي أريد لا يتنافى مع بر الوالدين والإحسان إليهم ، لا شك أن للوالدين فضل ولا شك أن الله أمر بالإحسان إليهم لكن الإحسان والبر الموصى به الأولاد لا يعني حق الوالدين في التسلُّط والتحكم في حياة الأولاد ولا يعني إلغاء الأولاد أنفسهم وطموحاتهم في سبيل إرضاء والديهم، السؤال الذي لا بد وأن يُطرح في هذا السياق هو هل فعلاً تضخيمنا لرضا والدينا وجعله من أهم أسباب السعادة في الحياة يرضي الله عنا ؟؟!

حتى الوالدين أنفسهم يتعاملون مع أولادهم ( بحب خاطئ ) وذلك بالاهتمام المبالغ فيه والحرص الشديد الذي يؤدي إلى نسيان حياتهم في سبيل راحة أولادهم وهذا من أكبر الأخطاء التي تُرتكب في حق الوالدين والأولاد على حدٍ سواء .

من أهم حقوق الأولاد على والديهم هو تعليمهم الاعتماد على أنفسهم واختيار الحياة التي يريدون مع عدم التدخُّل والإجبار في هذه الحياة ، منح حق الاختيار للأولاد هو ما سيجعلهم يتحملون كافة المسؤولية عن حياتهم وعدم إلقاء اللائمة على غيرهم حين الفشل أو الوقوع في خطأ ما ، وهذا من أهم طرق دراسة الحياة .

لا تمتنّ على أولادك لأنك أحد أسباب وجودهم في هذه الحياة ، لا تستخدم ( الزعل ) لابتزازهم عاطفياً ، لا تُقدّم العقوق لأولادك وتنتظر منهم البرّ كأمر مُسلّم به لأنك والدهم !

البرّ الذي يتعارض مع حد الحريّة الذي شرّعه الله لبني آدم ليس برّاً وإنما تسلُّط وهيمنة ، والبرّ الذي يتعارض مع حد التكريم ليس برّاً وإنما إهانة وإذلال !

المطلوب البرّ والإحسان وليس ( العبادة ) كما هو منتشر !

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here