جشع التجار وثقافة المقاطعة الاقتصادية

أحمد الفقيه
أحمد الفقيه

هناك من يؤمن بأن للمقاطعة الاقتصادية آثار سلبية تفوق جميع آثارها الإيجابية، في حين يؤمن آخرون بأن المقاطعة الاقتصادية والتي تصدر طوعاً واختياراً من المستهلكين، هي سلاح ناعم يتمكن في العادة من ردع شجع التجار المتلاعبين بأسعار السلع والمنتجات، وفي أحيان أخرى يشمل ذلك التلاعب الخدمات الأساسية. ويستند الفريق الأول عادةً على الآثار التي يسببها تكدس السلع والخدمات نتيجة المقاطعة على توقف أعمال المصانع والموردين والعمال الذين ليس لهم علاقة بتلاعب التاجر بالأسعار. وهذا الرأي (الأول) لا يخلو من أهمية من الوجهة الاقتصادية إذا طرحنا جانباً أهمية المستهلك، وهو منظور استهلاكي يدفع ثمنه المستهلكين بلا شك. بينما يرى أنصار الرأي الثاني، أن العقوبة العامة المتمثلة في غرامات التلاعب والتي تصدرها الجهات الرقابية، ليست كافية لمعاقبة التجار المتلاعبين، وبالتالي فإن الخسائر المترتبة من مقاطعة المستهلكين للتجار هي العقوبة الوافية.

غير أن المقاطعة الاقتصادية شأنها شأن المفاهيم الاقتصادية الأخرى، فهي لابد أن تمضي وفق أساليب معينة حتى تكون أداة رادعة لها نتائج ملموسة ومؤثرة.

لكن وعلى الرغم من أهمية ممارسة المقاطعة الاقتصادية كحق للمستهلكين عندما يرون أن التاجر أو مجموعة من التجار قد اتفقوا على رفع الأسعار بهدف تعظيم الأرباح وإلحاق الضرر بالمستهلكين، إلا أن هذه الممارسة قد تأتي بنتائج عكسية. فالمقاطعة العشوائية سرعان ما تصبح أداة ضغط للتاجر على المستهلك بدلاً من أن يكون العكس، وذلك بمعاودة رفع الأسعار أو تثبيت الأسعار المرتفعة بسبب سوء تنظيم المقاطعة.

لكن لا يخلو التاريخ الاقتصادي من نماذج مقاطعات كُتِب لها النجاح، كما حدث قبل بضع سنوات عندما استغلت شركات الدواجن في الأرجنتين كمية الطلب المتزايد للبيض. عندها قررت تلك الشركات رفع سعر البيض فوق السعر الطبيعي دونما أسباب أو مبررات اقتصادية واضحة. فكان المواطن الأرجنتيني كردة فعل (أو مقاطعة اقتصادية) ينزل إلى البقالة ويعيد البيض إلى مكانه عندما يجد السعر لا يزال مرتفعاً، وبعد عدة أيام تكدس البيض في الثلاجات والمخازن والمستودعات والبقالات دون وجود مشترين لتلك الكميات الكبيرة من البيض. فاجتمع التجار واتفقوا على بيع البيض بسعره السابق قبل الارتفاع، ولكن الشعب الأرجنتيني رفض أن يشتري البيض مرة أخرى، فعاد التجـّار وخفضوا من سعر البيض مرة أخرى، ولكن الشعب استمر في عدم شراء البيض، وبسبب ذلك اضطر التجّار وهم مجبرون بأن يبيعوا البيض بربع سعره قبل الارتفاع مع تقديم اعتذار رسمي للشعب في الصحف الرسمية.

كان يقف خلف تلك المقاطعة مؤسسة أرجنتينية عامة تُعنى بنشر الوعي الاستهلاكي. ومع هذا، فيجب ألا تغيب عنا الفوارق في سلوكيات المستهلكين بين شعب وآخر، ومدى تأثر وملائمة المقاطعة أساساً للسلعة أو المنتج.

غير أنه يجب أن نعترف بأن الجهات الرقابية والمسؤولة لدينا هي من يقف خلف هذا الوعي المحدود لثقافة المستهلكين تجاه المقاطعة الاقتصادية. ومع ذلك فنحن نتساءل: كيف يحدث أن يجري استغلال المستهلك البسيط دون أن يقابله عمل على زيادة وعي هذا المستهلك وتعريفه بالمقاطعة الاقتصادية وتشجيعه عليها كسلاح ناعم يعاقب به المستهلك ذلك التاجر الشجع؟

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here